جعلك كالكل بالقوة (كالنواة).. ثم بإحسان الإسلامية والإيمان، جعلك كالكلي بالقوة.. ثم بإنعام معرفته ومحبته صيّرك كالنور المحيط، فاختر ما شئت.. فإن أخلدتَ إلى الأرض واللذائذ الجسمانية؛ صرتَ جزءا جزئيا، عاجزا، ذليلا. وإن استعملت جهازات حياتك بحساب الإنسانية الكبرى التي هي الإسلامية؛ صرت كالكل الكلي والسراج المركزي.

اعلم يا من يحب الموجودات الدنيويةَ التي لا تصل إليها إلّا بمقدار جِرْمك، ومساعدة قيدك. فتتألم بسائر الفراقات الأليمة، جزاءً لصرفك المحبةَ في غير محلها.. إن أحببتَ الواحدَ الأحدَ، وتوجّهتَ بحسابه وباسمه وبإذنه وبنظره وبحَوله، تنزّهتَ بالجميع معا في آنٍ بلا فراق ولا ألم. كمثل من ينتسب لسلطان له مع كل جزء من مملكته ارتباط، يسمع ويبصر كل ما يجري في كل مكان ومن كل مكين، كأنه هو في كلٍّ وعند كلٍّ، فيسمع ذلك الخادم بسمعِ سيدِه، ويبصرُ ببصره بواسطة آلات المخابرة والمشاهدة لذيذات النغمات وجميلات الصور الموجودات في محلّ سلطنة بعيدةٍ.

اعلم (54) يا من يشتاق إلى معرفة أخبار أمثال القمر، بحيث لو قيل لك: إن أفديتَ نصفَ عمرك؛ لنزل أحدٌ من القمر وأخبرك بأن في القمر كذا وكذا، وأخبرك بحقيقة استقبالك، لفديت بلا تأسف.. أنه جاء أحدٌ يخبرك أخبار مَن ليس القمرُ إلّا كذباب يطير حول فَراشٍ، يطيرُ هو حول سراجٍ من قناديلِ سقف بيته الذي أعدّه لعبيده المسافرين.. وكذا يخبرك بأخبار الأزل والأبد، والحياة الأبدية، والحقائق الأساسية، والمسائل العظيمة التي أصغرُها أعظمُ من انفلاق الأرض مع القمر. فإن شئتَ فاستمع إلى سورةِ ﴿ اِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ وإلى ﴿ اِذَا السَّمَٓاءُ انْفَطَرَتْ ﴾ وأمثالِها.. وكذا يريك سبيلا سويا إلى الوحدة، يُنجيك من التشتت في ضلالات الكثرة الموحشة، ويمد إلى يدك العروة الوثقى وسلسلة عرشية تنقذ من استمسك بها من الغرق في ظلمات الممكنات المشتتة، ويَسقيك من عين الإيمان بالحياة الأبدية ماء الحياة، لتخلِّصك من الاحتراق بنار الفراق من جميع ما تحبه على الإطلاق.. وكذا يخبرك بمرضيات خالقك الذي الشمسُ والقمرُ والنجوم مسخَّرات بأمره، واستقرت الأرض بإذنه وبمطالبه منك.. وكذا صار ترجمانا لمخابرة سلطان الأزل والأبد الذي لا نهاية لقدرته وغَنَائه، وبمكالمته معك أيها العاجز بلا نهاية، والفقير بلا غاية.