فمع كل ذلك كيف لا تترك نفسَك لفهم هدى القرآن؟ ولا تنسَى هَوسكَ لاستماع رسول الرحمن؟ وكيف لا تستقبل رسولَه بالتسليم والإيمان؟ وكيف لا تشتاق إلى السلام عليه بالصلاة والسلام؟ وكيف لا تحتاج إلى الاستخبار منه ما يطلبه سيدُنا الحنّان ومالكُنا المنّان جلّ جلالُه؟

اعلم أننا نرى الصانعَ الحكيم بكمال حكمته، وعدم العبثية في صنعه وعدم التضييع، يَنسج من الأشياء الحقيرة الصغيرة القصيرة الأعمار، منسوجاتٍ جسيمةً غالية عالية دائمة، لاسيما في نسج النباتات.. وكذا -بسرّ عدم العبثية مطلقا وعدم الإسراف- يوظّف الفردَ الواحد من الآلات والجهازات بوظائفَ كثيرة متنوعة، لاسيما في رأس الإنسان. فلو انفرد لكل وظيفة من الوظائف المكلفة بها ما في رأسك مقدار خردلة، للزم أن يكون رأسك كجبل الطور في الكبر ليسع أصحاب الوظائف. ألاَ ترى اللسان -مع سائر وظائفه العظيمة- مفتشٌ (55) لمدخرات خزينة الرحمن، ولجميع المطعومات المطبوخة في مطبخ القدرة. فله وظائف بعدد تنوع أذواق المطعومات، وقس. أفلا تشير هذه الفعاليةُ الحكيمةُ إلى أن ذلك الصانعَ يجوز -بل يجب- أن يَنسجَ من الأشياء السيالة السريعة في سيل الزمان، ومن الأيام الميتة والأعوام الماضية والأعصار الخالية نسائجَ غيبيةً، ومنسوجاتٍ أخرويةً بمكوك الليل والنهار والشمس والقمر في اختلاف الملوين، (56) وتحوّل الفصول؟ كما نسج في الإنسان الذي هو فهرستةُ العالم ما يؤيد هذا، إذ يُبقي دقائقَ حياته الماضية الفانية بين منسوجات حافظته ومكتوباتها، فيكون الفناءُ والموت في هذه الشهادة الضيقة، انتقالا باقيا وبقاءً صافيا في دوائرِ عوالمِ الغيب. وقد نسمع من منابع الوحي «أن دقائق عمر الإنسان تعود إليه»؛ فإما مظلمةٌ بالغفلات والسيئآت، وإما مضيئةٌ بمصابيح الحسنات المعلقة في حلقات الدقائق.

اعلم أن من حكمة تفنن الصانع الجميل الحكيم في تصوير الأفراد صغيرا وكبيرا كما في الحيوان لاسيما فيما يطير بجناحَيه، وفي السمك وفي المَلَك وفي العوالم في الجملة، من الذرات إلى الشموس، بجعل الصغير مثالا مصغرا للكبير.. لُطفَ الإرشاد، وتسهيلَ التفكّر، وتيسيرَ قراءةِ مكتوباتِ القدرة، وإظهارَ كمال القدرة، وإبرازَ نوعي الصنعة الجمالية والجلالية، إذ من