الآخرة، لكن بالمعنى الحرفي، أي لئلا تتنغصَ الدنيا عليكِ بفنائها، فشوقُ الآخرة للتسلي من ألَم الفناء. فأُفّا وتُفا (48) لهمّتكِ الدنية، كيف تُصيّر السلطان الدائمي خادما لحقير دنىٍ زائل؟ وتعمل خانا لسكن بعض الحيوانات في ليلة، بعَمَد مرصعةٍ بالجواهر تأخذُها من تحت قصرٍ سلطاني مستمرٍ.. (49) فتخربين القصر على رأسكِ، وتأكلين ثمرات الجنة الباقية قبل بدُوّ صلاحها في هذا البستان الكاذب.

اعلمي أيتها النفس العاشقةُ لنفسها، المستندةُ على ظهور وجودها! أنك اكتفيتِ بقطرة سراب (50) عن بحر ماء الحياة، وبلمعةٍ ضعيفةٍ في ليلةٍ مدلهمّة عن الشمس في رابعة النهار.

أما ظهورُ وجودِك بالنسبة إلى ظهور وجود فاطرك؛ فكنسبة عدد نفسِك الواحدة، إلى ضرب جميع الموجودات في ذراتها. إذ نفسُك تدل على وجود نفسك بوجه واحد، وبمقدار جرمك.. وتدل على وجود موجِدها بوجوه لا تعد، مع دلالة كل من الموجودات على ظهور وجود موجِدك بوجوهٍ لا تعد أيضا إفرادا وتركيبا، فلابد أن يكون ظهورُ وجوده عندك أظهرَ من وجودكِ بدرجةِ أعظميةِ العالم على صغرك.

وأما حبُّك لنفسك، لأنها مخزنٌ لذّتك ومركزُ وجودك ومعدنُ نفعك وأقربُ إليك. فقد التبس عليك ظل الظليل الزائل، بأصل الأصيل الكامل. فإن تحبَّ نفسَك لِلذةٍ زائلة؛ فلابد أن تحبَّ من يفيدك لذائذَ باقيةً بلا نهاية، ويفيضُ على جميع من تلتذ بسعاداتهم لذائذَ تُسعِدُهم.

وإن كانت نفسُك مركزَ وجودك؛ فربُّك موجِدكَ، وقيّومُ وجودك مع وجودات كل من لك علاقة بوجودهم.

وإن كانت نفسك معدنَ نفعك؛ فرازقُك هو الذي بيده الخيرُ كله، وهو النافع الباقي، وعنده نفعُك ونفعُ كلِّ مَن لك نفعٌ في نفعهم.

وإن كانت نفسُك أقربَ إليك؛ ففاطرُها أقربُ منها إليها، إذ تصل يدُه منها إلى ما لا تصل يدُها ولا شعورُها ولا حبُّها إلى ذلك الشيء الذي هو في بحبوحة نفسها، فلابد أن تجتمع