البلايا الأعداء إلى جنودك بانقلابها أحبابا ممدّةً، مع الاستمداد من التوكل على المالك الكريم الرحيم الحكيم في مقابلة ما يأتي. فإذا فعلت هكذا، يكفي أضعفُ صبرك لأعظم مصيبتك.

اعلم أنه كثيرا ما يُتوهَّم -بقصور الفهم- ما هو من منابع الحقيقة ومعادن الحق أنه من مخايل المبالغة ومظانّ المجازفة.

مثلا: روي: «لو وزنت الدنيا عند الله جناح بعوضة، ما شرب الكافرُ منها جرعة ماء» (47) أو كما قال.. المراد لا يساوي ما تمثّل في مرآة حياتك الفانية ووُسعة عمرك الزائل من هذه الدنيا الخارجية، مقدارَ جناح بعوضة من عالم البقاء. كما أن حبةً باقيةً بالتنبّت تُرجَّح على بيدر من تبنٍ يفنى بالتفتت.. فلكلِّ أحدٍ من هذه الدنيا -التي هي مظاهرُ الأسماء الحسنى ومزرعةُ الآخرة- دنيا، فإنْ نظر إلى دنياه بالمعنى الحرفي، واستعملها للباقي كانت لها قيمة عظيمة؛ وإلّا -فلفنائها- لا توازي ذرةً باقية، وقس عليها بعضَ ما ورد في ثواب بعض الأذكار مما لا يجري في مقاييس العقل.

اعلم أن مما يدل على أن دستورَ الحياة هو التعاونُ دون الجدال -كما توهمَتْه الفلاسفة الضالة المضلة- عدمَ مقاومة التراب الصلب ولا الحجر الصلد لسيَران لطائف رقائق عروق النباتات اللينة اللطيفة، بل يشق الحجرُ قلبَه القاسي بتماسِّ حريرِ أصابعِ بناتِ النبات، ويفتح الترابُ صدرَه المصمّتَ لسرَيان رائد النباتات.

نعم، تجاوبُ أعضاء الكائنات بشمسها وقمرها لمنفعة الحيوانات، وتسارعُ النباتات لإمداد أرزاق الحيوانات، وتسابقُ مواد الأغذية لترزيق الثمرات، وتزيّنُ الثمرات لجلب أنظار المرتزقات، وتعاون الذرات في الإمداد لغذاء حجيرات البدن؛ دليلٌ قاطع ساطع على أن الدستور العام هو التعاونُ وما الجدال إلَّا دستورٌ جزئي بين قسم من الحيوانات الظالمة.

اعلم أن مِن أظهر براهين التوحيد، السهولةَ المطلقةَ المشهودة. مع أن في الشركة يستلزم كلُّ شيء -لاسيما حي- كلَّ ما يلزم للكل. ففي كل فرد من الكلفة كلفةُ ما في الكون، لاستلزام الفرد في الانفراد كلَّ كلفة الكل، كميةً.

اعلمي أيتها النفس الأمارة! أنكِ متهَمةٌ في أحسن مطالبك؛ إذ قد تشتاقين إلى أمور