بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّح۪يمِ

يا مَن له الملك وله الحمد صلّ وسلم على سيد البشر الذي قلتَ له: ﴿ يَٓا اَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾ (الأنفال:٦٤)، فقال: لبيك! بحيث أسمعَ من عرفاتٍ ملائكةَ السماوات العليا.. فقلتَ: بشِّر وأنذر. فنادى ب ﴿ يَٓا اَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ (البقرة:٢١) بحيث أسمعَ أدوارَ الزمان وأطراف المكان.. إذ صار ﴿ بَش۪يرًا وَنَذ۪يرًا ﴾ (البقرة:١١٩) بطَور المشاهِد.. إذ يشاهِد فيشهَد مناديا لأجيال البشر خلف الأعصار والأقطار.. إذ أسمعَ، فهذا صدى صوته يُسمَع بأعلى صوته.. إذ قد ملأ الدنيا بنداء القرآن وبجميع قوّته.. إذ قد استولى على نصف الأرض وبكمال جدّيته بشهادة سِيَره، وبغاية وثوقه بشهادة زهده في الدنيا، ونهاية اطمئنانه بشهادة قوة دساتيره ومعالمه، وبكمال إيمانه بشهادة أنه كان أعبدَ وأتقى من الكل.

اعلم ي يا أيتها النفس الجاهلة! أن الأبوابَ المفتوحةَ النظارة إلى الله عدد طبقات العالم وصحائفه، وعدد المركبات المتصاعدة والمتنازلة. فما أجهلَكِ؛ إذا انسدّ في وجهكِ بابٌ عادي تتوهمين انسدادَ كلِّ الأبواب. مَثَلُك كمثل مَن إذا لم يَرَ أو لم يعرف في بلد فرسانَ العسكر مع وجود سائر جيوش السلطان وخدّامِه ودوائر حكومته، يشرع ينكر وجود السلطان ويؤوّل كلَّ شعائره ومعالمه.

اعلم أن الدليلَ على أن الباطن أعلى وأتمَّ شعورا وأقوى حياةً، وأزيَنُ وأعلم وأكمل وأحسن وألطفُ من الظاهر.. وأن ما على الظاهر من الحياة والشعور والكمال وأمثالِها، إنما هو ترشّحٌ ضعيف من الباطن -لا الباطن جامدٌ ميّت أثمَر حيّا عليما- كونُ بطنِك أكملَ انتظاما من بيتك، وجلدِك أحسنَ نسجا من ثوبك، وحافظتِك أتمَّ نقشًا من كتابك. فقس على هذه الجزئيات عالَمَ المُلك وعالمَ الملكوت وعالَمَ الشهادة، وعالمَ الغيب والدنيا والآخرة. فيا حسرةً على النفوس! إن النفس الأمارة النظارة بعين الهوى ترى الظاهر حيا مونسا مفروشا، على باطنٍ ميت عميق مظلم موحش..

اعلم أن وجهَك يتضمن من العلامات الفارقة عددَ أفراد الإنسان الماضية والآتية، بل