على إجماعهم بسر تساندِ الإثبات، ونظرِ الإثبات إلى نفس الأمر، ونظر النفي إلى نفس النافي وعندَه.

مثلا: لو طبّق الغيمُ في وجه السماء فرفعنا رؤوسنا، فما رأى الشمس من جميع أهل المملكة إلا حزبٌ قليل، فهل يُقبَل منك أن تقول: إن النافين متواترون، والرائون أقلّ قليل فاتّباع الأكثر أولى؟ كلا.. إذ لمن لم يرَ أن يقول: لا شمس عندي، وفي رؤيتي، دون لا شمسَ في نفس الأمر وفي وجه السماء. وهكذا فلتعددِ المدّعَى بهذا الاعتبار بين النافين لا يقوَى حُكمُ بعض ببعض. فإجماعُهم في قيمة الفرد كالاجتماع لحل مسألة، أو المرور في ثقبة ضيقة. خلافا للمثبتين الناظرين إلى نفس الأمر لاتحاد المدّعَى وتعاونِ القوى، كالتساند على رفع صخرة عظيمة.

اعلم (28)يا من يشوّق المسلمين على الدنيا ويدعوهم إلى صنائعها وترقياتها ويضربهم بعصا التشويق! تمهّل وتأمّل في رقة بعضِ حبالهم المربوطين بها بالدين، واحذر أن ينقطعَ قسمٌ من حبالهم فيصيرون ضررا محضا في الحياة الاجتماعية، بسرّ أن المرتدّ لا حقّ له في الحياة لانفساده بالكلية، خلافا للكافر، فالشريعة تعطي له حقَّ حياة، وأن الفاسق خائن ومردودُ الشهادة، لانفساد وجدانه خلافا للذمي في مذهب الحنفية. (29)فاعتبر! ولا تغتَر بكثرة الفساق؛ فإن الفاسق لا يرضى بالفسق، وما طَلبه بالذات بل وقع فيه.. وما من فاسق إلّا ويتمنى أن يكون متقيا وأن يكون آمرُه متدينا صالحا، إلّا إن ارتدّ، العياذ بالله!

أتظن أن المسلمين لا يحبون الدنيا ويحتاجون لأن يُنبَّهوا ولا ينسَوا نصيبهم من الدنيا؟ كلا! بل اشتدَّ الحرصُ.. والحرصُ في المؤمن سببُ الخيبة؛ إذ الدعاةُ إلى الدنيا في كل شخص بكثرة؛ كنفسه واحتياجه وحواسه وهواه وشيطانه، وأمثالِكم من رفقاء السوء، وحلاوةِ العاجلة وغيرِها، مع أن الداعي إلى الآخرة الباقية بقلّة. فمن الحَمية والهمة إمداد القليل.

أم تحسب أن فقرنا من زهدنا؟ كلا.. ألا ترى المجوس والبراهمة وسائر مَن تسلط عليهم الأوروبائيون أفقرَ منا؟ أم أنت أعمى لا ترى أن ما زاد على القوت الضروري لا يبقى في يد المسلمين في الأكثر، بل يغتصبه أو يختلسه الكفار بدسائسهم؟ وإن أردتَ من تمدنِهم،