تسهيلَ إدارتهم وحصولَ الأمن في المملكة؛ فقد أخطأتَ الطريق. لأن إدارة مائةٍ من الفاسقين الذين فسدت أخلاقهم وتزلزَلَ اعتقادُهم أصعبُ من إدارة أُلوفٍ من المتدينين. فأهل الإسلام لا يحتاجون إلى التشويق على الحرص على الدنيا، بل يحتاجون إلى تنظيم مساعيهم، والتعاون، والأمنية بينهم، (30)وما هي إلّا بالتقوى..

اعلم (31)أن الحق سبحانه بكمال كرمه أَدمج قسما من مكافأة الخدمة في نفس الخدمة، وأَدرج أجرةَ العمل في نفس العمل. حتى إن الموجودات ولو الجمادات تمتثل أوامره التكوينية بكمال الشوق والتلذذ، وبالامتثال تصير مَعاكسَ تجلياتِ أسماءِ نورِ الأنوار. كالحباب الحقير المظلم الذي يتوجه بقلبه الصافي إلى الشمس، فيتنور مبتسما في وجهك، بجعل قلبه سريرَ الشمس. وكيف لا تلتذ الذراتُ ومركباتها -بفرض شعورٍ فيها - بمظهريتها لتجليات أسماء ذي الجلال والجمال والكمال المطلق مع ارتقائها بالامتثال، مثل الحباب من نهاية الخمود والظلمة إلى نهاية الظهور والنور!

انظر إلى حواسك وأعضائك وخدَمتها التي تخدم لبقاء الشخص أو النوع كيف تتلذذ بنفس خدمتها حتى يكونُ التَركُ عذابا لها.

ثم انظر إلى الحيوانات كيف تلتذ بوظائفها، ألا ترى الديكَ مثلا: كيف يؤْثر الدجاجات على نفسه في دعوتها إلى أكل ما رآه من الغذاء ولا يأكل هو؟ ويُرى من طوره أنه يفعل هذا بالشوق والتلذذ والافتخار. وهكذا الدجاجة الراعيةُ لأفراخها وهي صغيرة، التاركةُ لها إذا كَبرت كسائر الوالدات النباتية والأمهات الحيوانية غير الإنسان! فيظهر من هذه الحال أنها لا تعمل بحساب نفسها ولا لكمالها، بل بحساب من وظَّفها مُنعِما عليها برحمته بإلقاء لذةٍ في وظيفتها.

ثم انظر إلى النباتات والأشجار كيف تمتثل أوامرَ فاطرها بطورٍ يرمز بشوقٍ ولذة؛ إذ تزّيناتُها ونشرُ روائحها تُظهِر شوقَها، وفداؤها نفسَها لسنبلتها ولثمراتها تُعلن أن لذتَها في امتثال الأمر. إذ تُعِدّ وتُحضر وهي سائلة من باب الرحمة أطيَب الغذاء، فتطعِم ثمرتَها بإذن ربّها. ألا ترى شجرةَ التين كيف تُطعم التين لبنا خالصا تأخذه من خزينة الرحمة وهي لا تُطعم