إلى الكائنات تراها مُلكَ مالكك وحِشمته وحواشيه فتتنزّه بها، كأنها مُلكٌ لك بل أعلى، بلا كلفة ولا ألم زوال.. إذ الخادمُ الخالص للمَلِك والفاني في محبته يفتخر بكل ما للمَلِك.

وثامنا: لأنه ربّ الأنبياء والمرسلين والأولياء والمتّقين وكلّهم مسعودون في رحمته، فعِلْمك بسعادتهم يعطيك في شقاوتك سعادةً ولذةً إن كنتَ ذا قلب.

اعلم أنه لا يليق بك إن كان لك عقلٌ سليم أن تهتم وتغتم وتغضبَ وتصخب لما يأتيك أو يفوتُك من أمور الدنيا، لأن الدنيا تزول لاسيما دنياك، ولاسيما أنت؛ إذ لست بأبديّ هنا، ولستَ من حديدٍ ولا شجر حتى يطولَ بقاؤك، بل من لحمٍ متجدّد ودمٍ متردد وروابط في غاية رقة تتأثر بأدنى شيء. وقد تنقطع تلك، وينجمد هذا، ويتفسخ ذلك باختلال ذرتين، ولاسيما تَنفسَ فيك صبحُ المشيب وكَفّنَ نصفَ رأسك.. ولاسيما تضيّفَتْ بل توطنت فيك العللُ التي هي طليعة الموت، والأمراضُ التي هي مخالبُ هادم اللذات، مع أن أمامك عمرا أبديا ألقيتَه خلفك ظهريا، إنما ترتّبت راحته على سعيك هناك، مع أنك في حرصك وشَرهَك كمَن هو خالد وخَلُدَت له الدنيا خاصة.. فانتبه قبل أن تُنبّهك سكراتُ الموت..

اعلم أنك إذا توجهتَ إليه تعالى بعنوان المعلوم والمعروف يصير لك مجهولا ومنكرا، إذ هذه المعلومية والمعروفية نتيجةُ الأُلفة العُرفية والتسامع التقليدي، والتداول الاصطلاحي، وهي لا تغني من الحقيقة شيئا؛ بل ما يتراءى لك فيها مقيد لا يتحمل الصفات المطلقة. بل إنما هو نوع عنوان لملاحظة الذات الأقدس..

وأما إذا توجهتَ إليه بعنوان الموجود المجهول، تكشّف لك عن أشعة المعروفية.. وعن بُروقِ شروقِ موصوفٍ لا تَثقل ولا تتعاظم عليه هذه الصفاتُ المطلقة المحيطة المتجلية في الكائنات، كما لا يثقل عليك حملُ قميصك من الحرير الرقيق ومنديلِك من الخز المنمنم. (34)

اعلم كفاك فخرا بلا نهاية -لا كفخرك بكمال كبرائك- أن يكون لك مالكٌ قدير على كل شيء. ومن اقتداره -وهو هو الذي السماواتُ مطويات بيمينه، والأرضُ قبضته يوم القيامة- أنه يربيك بشفقةٍ أتمّ من شفقة أبويك، وأنت أنت: كقطرة في بحر، والبحر كنقطةٍ في صحراء، والصحراء كذرة بين عظائم مصنوعاته؛ إذ هو نور الأنوار العالِمُ بالأسرار.. وليس