نكتة

اعلم أن النيةَ إحدى الكلمات الأربعة التي ذكرتُ في المقدمة أنها محصولةُ أربعين سنة من عمري!

نعم، إن النية إكسيرٌ عجيب تَقلِب بخاصيتها العادات الترابية والحركات الرملية (53)إلى جوهر العبادة.. وكذا هي روح نافذة تحيا بها الحالات الميتة، فتصير عباداتٍ حيويةً.. وكذا فيها خاصيةٌ تقلبُ السيئات حسنات.

فالنية روح، وروحُها «الإخلاص» فلا خلاص إلّا بالإخلاص. ويمكن بالنية -بسبب هذه الخاصية - عملٌ كثير في زمانٍ قليل، فيمكن اشتراءُ الجنة بما يُعمل في هذا العمر القليل بهمّة تلك الخاصية.

وبالنية يصيرُ المرءُ شاكرا دائما؛ لأن ما في الدنيا من اللذائذ والنِعَم يُقتطف بوجهين:

الوجه الأول: يقول المرءُ بسبب النية: هذه النعمة مَدَّتْها إليَّ يدُ رحيمٍ محسن، فينتقل نظرُه من النِعمة إلى الإِنعام، فيتلذذُ به أزيدَ من نفس النعمة.

والوجه الثاني: يتحرى اللذةَ بتهوّس النفس، فلا يتخطر الإنعام، إنما ينحصر نظرُه على النعمةِ واللذة فيتلقى اللذةَ غنيمةً فيقتطفها بلا مِنّة، بل يغتصبها.

ففي الوجه الأول: تموت اللذةُ بالزوال ويبقى روحُها، أي إن رحمةَ المُنعم تَخَطّرتني، فلا تنساني. فهذا التخطُر رابطةٌ ومناسبةٌ في الخاطر!

وفي الوجه الثاني: لا تموت اللذة الموقتة ليبقى روحُها، بل تنطفئ ويبقى دخانُها. والمصيبة يخمد دخانُها ويبقى نورها، ودخانُ اللذة زوالها وإثمها.

وإذا نُظرَ بنور الإيمان إلى اللذائذ المشروعة في الدنيا والنِعَم في الآخرة، يُرى فيها حركةٌ دورية ووضعية تتعاقب فيها الأمثالُ، فلا تنطفئ الماهية، وإنما يحصل الفراقُ والافتراق عن التشخصات الجزئية. فلهذا لا ينغَّص -بألم الزوال والفراق- اللذائذُ الإيمانية بخلاف الوجه الثاني. فإن لكلّ لذةٍ زوالا، وزوالُها ألَمٌ، بل تَصوُّرُ الزوالِ أيضا ألمٌ؛ إذ في الوجه الثاني، ليست الحركة دوريةً بل حركةٌ مستقيمة، ففيها اللذة محكومة بالموت الأبدي..