نكتة

ولأن الإيمان يؤسس الأخوّة بين كل شيء، لا يشتد الحرصُ والعداوةُ والحقد والوحشة في روح المؤمن؛ إذ بالدقة يَرى أعدى عدوِّه نوعَ أخٍ له.. ولأن الكفر يؤسس أجنبيةً وافتراقا -لا إلى اتصال- بين كل الأشياء، يشتد في الكافر الحرصُ والعداوةُ والتزام النفس والاعتمادُ عليها. ومن هذا السر صاروا غالبين في الحياة الدنيا. ولأن الكافر يرى في الدنيا مكافأةَ حسناتِه في الجملة، والمؤمن يرى جزاءَ بعضِ سيئاته في الدنيا؛ صارت: «سجن المؤمن وجنة الكافر». (52)

و اعلم أن إكسير الإيمان إذا دخل في القلب يصيّر الإنسان جوهرا لائقا للأبدية والجنة، وبالكفر يصير خزفا خاليا فانيا. إذ الإيمانُ يُرِي تحت القشر الفاني لبا لطيفا رصينا، ويُري ما يُتوهم حَبابا مُشمسا زائلا، ألماسا متنورا. والكفر يُرِي القشر لبا فيتصلب فيه فقط، فتنزل درجة الإنسان من الألماس إلى الزجاجة بل إلى الجمد بل إلى الحباب، هكذا شاهدتُ..

نقطة

قد شاهدتُ ازدياد العلم الفلسفي في ازديادِ المرض، كما رأيت ازدياد المرض في ازدياد العلم العقلي. فالأمراض المعنوية توصِلُ إلى علوم عقلية، كما أن العلوم العقلية تولّد أمراضا قلبية.

وكذا شاهدت الدنيا ذات وجهين:

وجه: ظاهرهُ مأنوس في الجملة مؤقتا، باطنهُ موحشٌ إلى ما لا يحد.

ووجه: ظاهره موحِش في الجملة، وباطنهُ مؤنس إلى ما لا نهاية.

فالقرآن يوجّه الأنظار إلى الوجه الثاني، الذي يتصل بالآخرة. والوجه الأول الذي يتصل بالعدم ضدُّ الآخرة، وضرّتُها ومعكوستُها حسَنُه قبيحُها، قبيحُه حسَنُها.

وكذا شاهدتُ أن ما في الممكن من وجه الوجود؛ بالأنانية يوصِل إلى العدم وينقلبُ إليه، وما فيه من وجه العدم بتركِ الأنانية ينظرُ إلى الوجود الواجب. فإن أحببتَ الوجودَ فانعدِمْ لِتَجِدَ الوجود..