ومُنعمٍ وهو يُحسن قد شرع يصوّر أفاعيلَه، يقول: فعلتُ كذا وكذا.. فعل هذا وذاك.. صيّرتُ لبيتكم الأرضَ فرشا والسماء سقفا، ثم أين تصويرُ فضولي وبحثُه عن أفاعيلَ لا تماسَّ له بها.. وكذا أين أعيانُ النجومِ ثم أين تماثيلها الصغيرة السيالة -التي لا هي موجودة ولا معدومة- المرئيةُ في الزُجيجات؟ نعم، أين ملائكةُ كلماتِ كلامِ خالقِ الشمس والقمر، ثم أين زنابيرُ مزاميرِ مزوَّرات البشر؟.. وكذا أين ألفاظُ القرآن التي هي أصدافُ الهدى والحقائق الإيمانية والأساسات المنبثة من عرش الرحمن مع تضمن اللفظ للخطاب الأزلي وللعلم والقدرة والإرادة، ثم أين ألفاظ الإنسان الهوائيةُ الواهية الهَوسية؟ (49)..وكذا أين شجرةٌ تفرعت وأورقت وأزهرت وأثمرت، ثم أين المعجونُ الذي اتخذه أحدٌ من بعض ثمراتها بتغيير صورة الثمرات وإزالة العقدة الحياتية منها مع مزجها بمادة أخرى؟

نعم، إن القرآن أنبتَ شجرةً هكذا فانقلبت كلُّ نوَياته دساتيرَ عملية وأشجارا مثمرةً، تَشكَّل وتركّب منها هذا العالمُ الإسلامي بمعنوياته وأعماله، فأخذ منها كلَّ الأفكار فتَصرّفَ فيها إلى الآن حتى صارت حقائقهُ العُلوية العالية علوما متعارَفة ومُسَلّماتٍ، فيقوم أحدٌ ويأخذ من تلك الحقائق ويتصرف فيها بتغيير الصورة، فتزيل منها العقدةُ الحياتية. ثم على زعمه يزيّنها بتهوسه، فيوازن ذوقُه الفاسد بينه وبين الآيات. فكيف يمكن الموازنة بين الصورة العَرضَية التابعة المنحوتة بهوس الصبيان في جواهر منتظمة ودرر منثورة، وبين تلك الجواهر والدرر نفسها؟

ولقد شاهدتُ أن مشاهدة جمال القرآن تابعةٌ لدرجةِ سلامة القلب وصحته؛ فمريضُ القلب لا يشاهد إلّا ما يشوِّه له مرضُه. فأسلوب القرآن والقلبُ كلاهما مرآتان ينعكس كلُّ واحدٍ في الآخر.

نكتة (50)......... (51)