لتسمع الحقَّ وتعتبر بالخلق فتعرفَ الخالق.. وعلّق في كهف وجهك بعنايته لسانا لتذْكُره.. وأدرج في رأسك عقلا لتَعرفَه.. وأودع في صدرك جَنانا لتحبَّه.. ولَطَفَ بك في ظلمات الأحشاء، وتصرّف فيك بربوبيته كيف يشاء، وركّب في وجودك بحكمته هذه الحواسَّ بأنواعها، وهاتيك الأعضاء بأقسامها؛ لأجل إحساس جميع أنواع ثمرات نِعَمِهِ، ولإذاقة أقسام تجليات أسمائه.

فيا أيها الغافل المغرور! إلى كم تتهمه، وهو هذا وقد لطفَ بك هكذا. وتعتمد على ذرة اقتدارك الجزئي، فيفوّضك حينئذ إلى نفسك بسبب سوء اختيارك فتصير ظالما لنفسك لتحميلها ما لا طاقة لها به. وما بالك وما منعك أن تتوكل على مَن ناصيتُك بيده، وحاجاتُك راجعةٌ إليه حتى تُلقى -بالتسليم له- ما إليك على ما إليه. وتُلقيَ بالتوكلِ عليه نفسَك في سفينته الجارية بين طوفان الشؤون فتقول: ﴿ بِسْمِ اللّٰهِ مَجْرٰۭيهَا وَمُرْسٰيهَا ﴾ (هود:٤١) حتى تستويَ على الجُودي الإسلامي، وتستريحَ في ساحل السلامة. ألاَ ترى أن شمس الحياة قد اقترب أن تغترب! وأن قمر الوجود قد انخسف بالشَيب، واكفهرّ ببياض الهرم. وأن لا فائدة فيما سواه تعالى، بل كما أنه لا فائدة فيما سواه، إن لم يأذن به ففيه ضررٌ عظيم. فإن كان بدونه فكل شيء ضررٌ وعدو. وإن كان به فهو مُغنٍ عن كل شيء، فلابد من التَرْكِ على الحالين:

أما في حالٍ، فلكونه ضررا محضا. وأما في حالٍ، فلتفويت طلب الغير غاية الغايات مع فوات نفسه.

نعم، وبدونه الألمُ أزيد من اللذة في كل لذة، بل اللذة بدونه ألمٌ مموّه... ﴿ فَفِرُّٓوا اِلَى اللّٰهِ ﴾ (الذاريات:٥٠) فإن عنده من كل شيء -يفنى عندكم- ما هو يبقى من نوع ذلك الشيء، فما يزول هنا ولا يدوم بدونه، يستمر هناك ويدوم به. مع أن الوقت ضيّق.. ألا ترى أنك في سكراتِ الموت، إذ تمامُ عمرك سُكر في سَكَرات، وسَفَر في سقطات. فارفع رأسك من الدنيا، كي ترى عند بارئك نعمةً أبدية، ورحمة سرمدية، ومحبة أزلية.

اعلم أيها المتفكر المتحير المتحري! إذا انتهى علمُك إلى شيء، أو رأيت في شيء جهةً من عدم التناهي، فسبّح بحمده تعالى على قُربك إلى الحق؛ إذ المجهولية واللاتناهية عنوانان وعلامتان نُصبتا على حدود تصرّف ربوبيته المطلقة جل جلاله.