أما العبد المسافر فأنت. وأما «بوردور» فدنياك. وأما «أنطالية» فالقبر. وأما «الشام» فالبرزخ. وأما «اليمن» فما بعد الحشر. وأما الدنانير الأربعة والعشرون، فأربعٌ وعشرون ساعة في عمر اليوم، تَصرِف ثلاثا وعشرين ساعةً لمصالح الحياة الفانية؛ وتتهاونُ في صرفِ ساعةٍ واحدةٍ في أداء خمس صلوات التي هي مِنْ أَلْزَمِ الزاد في السفر الطويل!

هذا التمثيل لبيان سر من أسرار الآية الكريمة:

﴿ وَاُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّق۪ينَ ❀ وَبُرِّزَتِ الْجَح۪يمُ لِلْغَاو۪ينَ ﴾ (الشعراء:٩٠-٩١).


اعلم (81) يا أيها الغافل التارك للدين في طلب الدنيا! أحكي لك حكايةً تمثيليةً، فيها مثالُ قِسم من حقائق الدنيا والدين.

كان فيما غبرَ من الزمان أخوَان، فذهبا إلى أن انقسم الطريق طريقين: في أحداهما كلفةُ اتّباع القوانين، وفي الأخرى لا كلفةَ في الظاهر.. فذو الخُلق الحَسن اختار جانب اليمين مع الكلفة الخفيفة. وذو الخُلق السيئ اختار جانب اليسار مع الخفة الثقيلة. فذهب ذو الشمال فيما بين القِفار إلى أن دخل صحراءَ خالية فسمع صوتا هائلا، فرأى أسدا مدهشا يهجم عليه، ففرّ إلى أن صادف بئرا عميقا بستّين ذراعا، فرمى نفسه فيه، فسقط ثلاثين ذراعا فوصل يدُه إلى شجرة في جداره، ولها عِرقان؛ قد تسلطت عليهما فأرتان: بيضاء وسوداء تقطعان العرقين. فنظر فيما تحته فرأى ثعبانا عظيما رفع رأسه إلى قرب رجله، وسعةُ فمه كفم البئر. ونظر في جوانبه فرأى حشرات مضرّة مؤذيةً. فنظر إلى الشجرة فرآها شجرة التين، لكن أثمرت أنواعا متباينةً من ثمرات الأشجار المختلفة، فبينما ضجت لطائِفُه من دهشة الوضعية، إذ تجاهلت نفسُه بالتغافل مع أنيناتِ لطائفِه، فحسِبَ -بالمغالطة- أنه في بستانٍ، فبسرّ حديثِ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» (82) هكذا ظنَّ، فهكذا عُومِلَ. فبقى أبدا بين هذه الأهوال لا يموت ولا يحيى. فهذا المسكين -بسوء فهمه- لم يتفطن أنه لا يمكن التصادف في هذه الأمور المطلسمة.

فلنرجعْ ونترك هذا المشؤوم في عذابه؛ ولنذهب خلف الأخ الميمون المتيامن. فهذا يذهب مستأنسا بحُسن ظنه الناشئ من حُسن سيرته. انظر كيف استفاد بحُسن نَظره مما