بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّح۪يمِ

﴿ وَمَا هٰذِهِ الْحَيٰوةُ الدُّنْيَٓا اِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَاِنَّ الدَّارَ الْاٰخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ﴾ (العنكبوت:٦٤).


اعلم (77) أيها السعيد المسافر إلى الشيب، إلى القبر، إلى الحشر، إلى الأبد! إن ما أعطاك مالكُك من العمر لتحصيل لوازمات الحياتين بقدر الطول والقصر، قد ضيعتَه كلَّه في هذه الحياة الفانية التي هي كقطرة سرابٍ بالنسبة إلى البحر، فإن كان لك عقل فاصرف نصفَه أو ثلثه لا أقل عُشرَه للباقية. ومن العجائب أن يقال لمثلك مِن أحمق الناس هو عاقل ذو فنون.

مثلا: هل تَرى أحمقَ من عبدٍ أعطاه سيدُه أربعة وعشرينَ دينارا وأرسله من «بوردور»، إلى «أنطالية»، (78) إلى «الشام»، إلى «المدينة»، إلى «اليمن». وأمره أن يصرف تلك الدنانير في لوازمات سفره، لكن إلى «أنطالية»، يمشي راجلا له نوع اختيارٍ، لو لم يصرف شَيئا لوصل أيضا. ومنها إلى سائر منازله لا اختيار له، إن اشترى وثيقةً لركب سفينةً أو «شمندوفرا» (79) أو طيارةً وقطع مسافة شهرٍ في يومٍ. وإلا لذهب ماشيا طريدا تائها وحيدا. مع أن ذلك السائح الأبله صرف ثلاثة وعشرين دينارا في مسافة يومين! فقيل له: فلا أقلَّ فاصرف الواحد لِزاد السفر الطويل، يمكن أن يرحمك سيدُك. فقال: لا أصرف لاحتمال عدمِ الفائدة. فقيل له: فيا للعجب لبلاهتك إلى هذه الدرجة! كيف يفتيك عقلُك أن ترمي نصفَ مالك في قمار «البيانكو» (80) وهو ثمانية وأربعون دينارا، مع اشتراكِ ألفِ إنسان برجاء الظفر بألفِ دينارٍ، باحتمالٍ واحد من ألفِ احتمالٍ. فكيف لا يفتيك هذا العقلُ بأن تعطي جزءً واحدا من أربعة وعشرين جزءً من مالكَ لتظفر بكنوزٍ لا نفاد لها بتسعمائة وتسعة وتسعين احتمالا بشهادات ملايين من أهل الخبرة والاختصاص. مع أنه يُهتم في مثل هذه المنفعة الجسيمة بإخبارِ واحدٍ عامي، فكيف بإخباراتِ شموس البشر ونجومه المتواترين، وأهلِ الشهود الذين يُرجَّح اثنان من مثبتي أهل الشهود على ألوف النافين المنكرين، كما يرجَّح شاهدان لهلال رمضان على ألوف المنكرين لرؤيته.