مثلا: تريد أن تذهب إلى إستانبول، أو تُرسَل إليه، ومن مكانك إليه طريقان؛ يمينا وشمالا متساويان قصرا وطولا، متخالفان نفعا وضرا، خفةً وكلفةً. ففي جانب اليمين نفعٌ عظيم بإجماع أهل الشهود والاختصاص بلا ضررٍ وبالاتفاق، وحملُ سلاح ومِزوَدِ زادٍ بمقدار مَنّ، مع خلاص الروح والقلب من ثِقلة حمل المنّة والخشية اللتين هما في ثقلة الجبال.. وفي اليسار ضرر بشهادات ملايينَ من أهل الخبرة والشهود، وبلا نفع باتفاقِ الموافقين والمخالفين، مع خفةٍ ظاهر في طرح السلاح الصارم اللازم، وترك الزاد الألذّ الألزم. لكن حَمَل (74) على عاتق روحه بدلَ «قيتي» (75) السلاح قناطيرَ الخوف، وعلى ظهر قلبه بدل أربع «حقات» (76) الزاد مائة مَنٍّ من المِنّة. إذ قد يخبر الشاهدون الصادقون أن الذاهبين بيُمن الإيمان في اليمين في أمنٍ وأمان في مدة سيرهم، وإذا وصلوا إلى البلد حصل لتسعةٍ من العشرة نفع عظيم وربح جسيم. وأن الماشين بشؤم الضلالة والبطالة والبلاهة في اليسار، لهم في مدة سيرهم اضطرابٌ عظيم من الخوف والجوع، يتنزل الماشي لكل شيء لخوفه في ضَعفه في عجزه، ويتذلّل لكلِ شيءٍ لاحتياجه في فقره. وإذا وصلوا إلى البلد يُحْبَسون أو يُقتَلون لا ينجو إلّا واحد أو اثنان. فمَن له أدنى عقلٍ لا يرجِّح ما فيه احتمالُ الضرر، على ما لا ضرر فيه لأجل خفةٍ قليلة. فكيف يرجِّح ما فيه أعظم الضرر من المائة بتسعة وتسعين احتمالا، على ما فيه أَعظم النفع بتسعة وتسعين احتمالا لأجل خفّة جزئية في الصورة، مع ثقلةٍ كلّيةٍ في الحقيقة؟

أما المسافر فأنتَ، وأما إسطنبول فعالم البرزخ والآخرة، وأما الطريق الأيمن، فطريق القرآن الآمر بالصلاة بعد الإيمان. وأما الطريق الأيسر، فطريق أهل الفسق والطغيان. وأما أهلُ الخبرة والشهود، فالأولياء المشاهدون؛ إذ ذو الولاية ذو ذوق شهودي في الحقائق الإسلامية، فما يعتقده العامي قد يشاهده الولي. وأما السلاح والزاد، ففي ضمن التكليف المتضمِّن للعبودية المتضمِّنة للصلاة المتضمنة لكلمة التوحيد المتضمنة لنقطتي الاستناد والاستمداد المتضمنتين للتوكل على القدير الحفيظ العليم وعلى الغني الكريم الرحيم..

فخلُصَ من التنزل والتذلل لكل شيء له فيه جهة ضرٍّ أو نفع. إذ «لا إِلهَ إِلَّا الله» يفيد أن لا نافعَ ولا ضار إلّا هو ولا نفعَ ولا ضرَّ إلّا بإذنه.