وكتابتِها على صحيفة الأرض في نهاية الاختلاط والاشتباك، مع غاية التمييز بلا خبط ولا غلط. مع أنّ حشر واحد من تلك القيامات المشهودة ليس بأهونَ من حشر طائفة الإنسان، إذ يزيد عددُ طائفةٍ واحدة من طوائف الذباب الذي يوجد في عمر سنة على عدد الإنسان في عمر الدنيا. وكذا يقولان: ﴿ اَللّٰهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍۘ وَهُوَ عَلٰى كُلِّ شَيْءٍ وَك۪يلٌ ❀ لَهُ مَقَال۪يدُ السَّمٰوَاتِ وَالْاَرْضِ ﴾ (الزمر:٦٢- ٦٣) و ﴿ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ (الصافات:٩٦).. ﴿ وَاَعَدَّ لِلْكَافِر۪ينَ عَذَابًا اَل۪يمًا ﴾ (الأحزاب:٨) ويقولان: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ (الزلزلة:٨).. وهكذا من عظائم المسائل المبرهنة المهمة، فليس نظرُهما في الكائنات كنظر الفنون الفلسفية والعقول الإنسانية، بل مَثَلُهما كمثل من يعرّفك صنعةً لتعريف صانعه، والمصنوعُ في قبضته يقلّبه، ويريك باطنَه وصحائفه وتلافيفَه وغاياتِ جهازاته عند صانعه، ويعلّمك كتابا بمعانيه وإشاراته.. ومَثلُ الإنسان وفلسفته كمثل من يعرّفك مصنوعا بعيدا من يدكما (44) ومن فهمكما -وإنما يصل نظركما إلى سطحه ولا ينفذ إلى باطنه- فيلقمك مسائلَ سطحيةً كوساوسَ شطحيّةٍ لا تسمن ولا تغني، وكمثل أجنبي أعجمي لا يعرف من العربية كلمةً، لكن له معرفة بمناسبات النقوش والصور، فشرع يعلمك كتابَ الفصوص المذهّب ببيان مناسبات نقوش الحروف، وكيفية صورها ووضعية بعض إلى بعضٍ. وهكذا، من سفاسفَ واهيةٍ صورية.

فإذا كان هذا هكذا؛ فلا تجعلْ مقاييسَ العلوم الإنسانية محكّا لحقائقهما، (45) ولا تزنهما بميزانها؛ إذ لا توزَن الجبالُ الراسيات بميزان الجواهر النادرات، ولا تَطلب تزكيتَهما بها بجعل دساتيرها الأرضية مصداقا على تلك النواميس السماوية. فلا تظنن التزلزلَ بتحريك الأهواء الضالة لبعض التفرعات الجزئية، فأهمية الشيء بقدر قيمته.

اعلم (46) أيها المصاب ببليةٍ دامت من مدة! لا توزّع من جنود صبرك وقوّته، في مقابلة ما مضى إلى يومك هذا، بل إلى ساعتك هذه ؛ إذ التحقتْ تلك الأيامُ الأليمة الخالية إلى صف جنودك بانقلابها لذائذ معنوية وحسناتٍ أخروية. وكذا لا توزِّع من صبرك في مقابلة ما يأتي بعد يومك هذا، بل ساعتِك هذه. إذ هو عدمٌ ومعدومٌ وفي يد المشيئة. فأجمِع جميعَ قوة صبرك وجنودِه على هذا اليوم، وفي هذه الساعة، مع تقوّي قوتك المعنوية بالتحاق جنود