المختلفة الأشكال المشوشة، ومن الجبال والآكام المتفاوتة الأحجار البعيدة عن النظام؛ بدرجة تتوهم النظرةُ الحمقاء الظاهرية أنْ لعبَت بها يدُ التصادف، ما هي إلّا منتظمةٌ بعدم التنظيم، ومشوشيتُه السطحية بقصدِ صانعٍ حكيم وفاطر عليم، بشهادة إحاطة المنظومات والموزونات بها وفرشها عليها، كنظم الدرر المنظومة على نحور الجواهر المنثورة لإظهار شعشعة الصنعة المنتظمة، وكإراءة شدة الظلمة لتلك النيّرات. فانظر إلى الأشجار ذوات الأشواك، وإلى النباتات المجهزة برماح أشواكها لدفع آكل النباتات، حتى ترى انتظاما عجيبا في عدم انتظامها، ولطافةً ظريفةً في خشونتها الموحشة. ومن أمارات كون عدم الانتظام -كالانتظام- بقصدِ صانعٍ حكيم؛ عدمُ توافق شكل بعضٍ لبعضٍ بدرجةٍ كأن كل فرد من نوعٍ مستقلٍ منحصرٌ في ذلك الشخص، مع اتحاد النوع وتآخذ أسباب التوافق. فعدم التوافق دليل عدم الاتفاقي وعدم التصادف.

اعلم أن من مزايا جامعية فطرة الإنسان، ومن مميزاته على سائر الحيوان، فهمَه لتحيّات ذوي الحياة لواهب الحياة. أي أنه كما يفهم كلامَ نفسه، يفهم بسمع الإيمان جميعَ كلمات ذوي الحياة المسبّحات، بل الجمادات. فكلٌّ منها يفهم كلامَ نفسه فقط -على ما يظهر- كمتكلّمٍ أصمَّ من هذه الجهة. وأما الإنسان فمتكلمٌ سميعٌ يسمع في وسعة البصر، أي يمكن له أن يسمعَ في وقتٍ بلا مزاحمةٍ ما تتكلم به الموجودات من أدلّات الأسماء الحسنى. فقيمة كلٍ منها بمقدار نفسه؛ وقيمة الإنسان المؤمن بمقدار الكل. فهو فردٌ كنوعٍ، بل كأنواع.. والله أعلم بالصواب..

اعلم أن الحقيقةَ تشبه الظاهر في الصورة، مع عظمة بُعْدِ ما بينهما في نفس الأمر. مثلا: التوحيد العامي الظاهري يَثْبُتُ بأن لا يُثبَتَ ولا يُسنَد شيءٌ من الأشياء إلى غيره تعالى، وهذا النفي سهل بسيط. وأما التوحيد لأهل الحقيقة فإنما يَثْبُتُ بأن يُثْبِتَ كلَّ شيء مما يشاهَد من الأشياء ويسندَه إليه سبحانه، ويرى فيه سكّته ويقرأ عليه خاتمه جلّ جلاله. وهذا الإثبات يُثبت الحضورَ وينافي الغفلة.

اعلم أن من حكمة إمهال الكافر المتوجّه بالمعنى الاسمي والقصد الذاتي إلى هذه الحياة الدنيوية؛ خدمتَه لتظاهر ألوان نعَمه تعالى الحاصلة بالتركيب الصُنعي، وإن لم يشعر هو..