أيها الإنسان! أخذتَ أجرتك؛ إذ صنَعك هكذا في أحسن تقويم ثم تَعرَّفَ إليك بإعطاء الإيمان.

نعم، كما أنه بإعطاء المعدة أنعمَ عليك بجميع المطعومات.. كذلك بإعطاء الحياة صيَّر لك عالمَ الشهادة سُفرةً مملوءَةً من النِّعم. فانظر إلى تفاوت السُفرتين. وكما أنه بإعطاء النفس الإنساني جعل لهذه المعدة عوالمَ المُلك والملكوت مائدةً مشحونة بالنِّعم.. كذلك بإعطاء الإيمان فرشَ لك مع الموائد المزبورة موائدَ مدخراتِ كنوز أسمائه.. وبإعطاء محبته فَتَح لك ومنَحك ما لا يوصف، فإذا أخذتَ مثل هذه الأجرة، فعليك بالخدمة. فإذا أعطاك بعد العمل نعمةً أخرى فما هي إلّا من محض الفضل.

اعلم أن ما يشاهَد من الجُود بلا حساب في تكثير أفراد الأنواع، لاسيما في صغار المخلوقات مع كمال الإتقان وحسن الانتظام، يشير بل يصرّحُ بعدم التناهي في تجليات الصانع، وبمباينة ماهيته، وبتساوي الأشياء بالنسبة إلى قدرته، وبوجوبه.

نعم، ما هذا الجُودُ والإيجاد إلَّا من ذلك الوجوب ومن برهانه. والجُودُ في النوع جلالي، والإتقانُ في الفرد جمالي. (37)

اعلم أن الصنعة الإنسانية تسهُل على الصانع بدرجة علمه بها، وتَعسر بمقدار جهله، لاسيما في المصنوعات اللطيفة الدقيقة الجهازاتِ. فكلما كان أعلم كانت عليه أيسرَ وأسهلَ. فما يُشاهَد من السهولة بلا حدّ في السرعة المطلقة والوسعة المطلقة في خلق الأشياء المنتظَمة، يدل قطعا وحدسا على أن لصانعها علما لا نهاية له. كما تشير إلى تلك السهولة آيةُ ﴿ وَمَٓا اَمْرُنَٓا اِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴾ (القمر:٥٠).

اعلم أنه كما أن مَن لفَّ على مصنوعٍ أو مصنوعات لفائفَ مصنوعة، وألبَس مكنونةً مزينةً أو مكنوناتٍ أقمصةً نُسجت من جنس مادتها -كالجلود- وأدرج متولداتٍ منحوتات من بطونٍ متراكمة في أجوافها، لا شك ولا ريب أن المظروفَ كالظرف، والمحاطَ كالمحيط صنعُ واحدٍ ومالُه وملكُه.