يقبل القصورَ لها ما أمكنه، حتى كأنه يصرفُ الجهاز المخلوق فيه لحمد معبوده وتسبيحه إلى نفسه، ك ﴿ مَنِ اتَّخَذَ اِلٰهَهُ هَوٰيهُ ﴾ (الجاثية: ٢٣). فلابد من تزكيتها هنا بعدم تزكيتها.

والثانية: نسيانُ النفس في مقام الكُلفة والخدمة، وشدةُ التزامها في مقام أَخذ الأُجرة والحظوظات. فتزكيتُها عكسُ هذه الحالة أي عدم النسيان في عين النسيان.

والمرتبة الثالثة: لا يرى من نفسه إلّا القصورَ والنقص والعجز والفقر، ويرى كلَّ المحاسن نِعَما من جانب فاطره تقتضي الحمد لا الفخر، فتزكيتُها في هذه المرتبة؛ علمُها بأن كمالَها في عدم كمالِها، وقدرتَها في عجزها، وغناها في فقرها.

والخطوة الرابعة: دركُ أنه في نفسه وبالمعنى الاسمي فانٍ مفقودٌ حادثٌ معدومٌ، وبالمعنى الحرفي -والمرآتيةِ لأسماءِ صانعه- شاهدٌ مشهودٌ وواجدٌ موجودٌ. فتزكيتُها هنا معرفةُ أن عدَمَها في وجودِها، ووجودَها في عدمِها، ووِردُها: «له الملك وله الحمد».

وكذا إن مشرب أهل وحدة الوجود يذهب إلى إعدام الكائنات بنفي وجودها، ومشرب أهل وحدة الشهود يذهب إلى حبس الموجودات في سجن النسيان المطلق.. وأما ما أَفهمُ من منهاج القرآن فهو عفوها عن الإعدام والحبس، بل استخدامُها في وظائفِ إعلان الأسماء الحسنى بالمظهرية والمرآتية؛ بالمعنى الحرفي وبحسابه تعالى، وعزلُها عن الخدمة بالمعنى الاسمي وبحساب نفسها.

ثم إن الإنسان في وجوده دوائرُ متداخلةٌ ومصنوعات متراكبة؛ إذ هو نبات، وحيوان، وإنسان، ومؤمن.. فالمعاملة للتزكية قد تقع أولا في الطبقة الرابعة الإيمانية. ثم تتنازل إلى النباتية التي هي شديدة المقاومة، وقد تقع المعاملة في الكل في اليوم والليلة. ومما غَلِط فيه الإنسانُ عدمُ الفرق بين تلك المراتب فيقول: خُلق لنا ما في الأرض جميعا؛ فأولا يغلط بظن انحصار الإنسانية في معدته النباتية أو الحيوانية، ثم يغلط بانحصار غايات الأشياء في ما يؤول إلى نفسه. ثم يغلط بتقدير قيمة الأشياء بمقياسِ مقدار منفعته منها، فلا يشتري نجم الزهرة بزهرةٍ مشمومة.

اعلم (36) أن العبوديةَ نتيجةُ النعمة السابقة وثمنُها، لا مقدمةُ المكافآت اللاحقة ووسيلتها.