الصم العمي الجامدة تتحرك في نمو الأشياء ثم تتوقف عند حدود معوجّة، توقفَ سميعٍ بصير بمظانّ الفوائد والثمرات. وهكذا فقس كثرة براهين الكتابة قبل الكون.
وأما الدليل على الكتابة بعد الكون؛ فمن العالَم جميعُ الثمرات التي هي كمطوياتِ صحائفِ أعمالِ الأشجار والأزهار، تَنشرُ على رأس الأشهاد ما جرى على رؤوس أُصولها، إذا دُفنت في الأرض وحُشرت في الربيع. ومن الإنسان قوّّته الحافظة التي هي في محل كالخردلة في الصغر، وما هي إلّا كسَنَدٍ استنسخته يَدُ القدرة بقلم القَدر من صحيفة الأعمال، وأعطَتْه ليد الإنسان ليتذكّر به وقتَ المحاسبة، وليطمئن أن خلفَ هذا الهَرج والمَرج والفناء والزوال مرايا للبقاء رَسَم فيها القديرُ هويّات الزائلات، وألواحا يكتب فيها الحفيظُ العليم معانيَ الفانيات.
اعلم أنه كما أن الساعة غيرُ ثابتة بل متزلزلة مضطربة الآلات، كذلك الدنيا التي هي ساعة كبرى أيضا متزلزلة؛ فبإدراج الزمان فيها صار «الليلُ والنهار» كميلين يعدّان ثوانيها، و«السنة» إبرةً تعدّ دقائقَها، و«العصر» كإبرة تعد ساعاتها. وبإدراج المكان فيها صار «الجو» بسرعةِ تغيره وتحوله وتزلزله كمِيل الثواني، و«الأرضُ» بتبدل وجهها نباتا وحيوانا موتا وحياةً كميل الدقائق، وبتزلزل بطنها وتولد «جبالها» كميل الساعات. و«السماء» بتغيراتها بحركات أجرامها وظهور ذوي الأذْناب والكسوفات والشهابات كالميل الذي يعد الأيام.
فالدنيا المبنية على هذه الأركان السبعة -مع أنها واصفةٌ لشؤونات الأسماء ولكتابة قلم القدرة والقَدر- فانيةٌ هالكة متزلزلة راحلةٌ كالماء السيال في الحقيقة. لكن تجمّدت -صورةً- بالغفلة، وتكدّرت بالطبيعة فصارت حجابا عن الآخرة.
فالفلسفة السقيمة والمدنية السفيهة تزيدان جمودَتها وكُدورَتَها بالتدقيقات الفلسفية والمباحث الطبيعية. وأما القرآن فينفش الدنيا كالعهن المنفوش بآياته، ويشفّفها ببيّناته، ويذيبها بنيّراته، ويمزّق أبديتَها الموهومة بنعياته، ويفرّق الغفلةَ المولدة للطبيعة برعداته. فحقيقةُ الدنيا المتزلزلة تَقرأ بلسان حالها المذكورة آيةَ
﴿ وَاِذَا قُرِئَ الْقُرْاٰنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَاَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ (الأعراف:٢٠٤).
وأما الدليل على الكتابة بعد الكون؛ فمن العالَم جميعُ الثمرات التي هي كمطوياتِ صحائفِ أعمالِ الأشجار والأزهار، تَنشرُ على رأس الأشهاد ما جرى على رؤوس أُصولها، إذا دُفنت في الأرض وحُشرت في الربيع. ومن الإنسان قوّّته الحافظة التي هي في محل كالخردلة في الصغر، وما هي إلّا كسَنَدٍ استنسخته يَدُ القدرة بقلم القَدر من صحيفة الأعمال، وأعطَتْه ليد الإنسان ليتذكّر به وقتَ المحاسبة، وليطمئن أن خلفَ هذا الهَرج والمَرج والفناء والزوال مرايا للبقاء رَسَم فيها القديرُ هويّات الزائلات، وألواحا يكتب فيها الحفيظُ العليم معانيَ الفانيات.
اعلم أنه كما أن الساعة غيرُ ثابتة بل متزلزلة مضطربة الآلات، كذلك الدنيا التي هي ساعة كبرى أيضا متزلزلة؛ فبإدراج الزمان فيها صار «الليلُ والنهار» كميلين يعدّان ثوانيها، و«السنة» إبرةً تعدّ دقائقَها، و«العصر» كإبرة تعد ساعاتها. وبإدراج المكان فيها صار «الجو» بسرعةِ تغيره وتحوله وتزلزله كمِيل الثواني، و«الأرضُ» بتبدل وجهها نباتا وحيوانا موتا وحياةً كميل الدقائق، وبتزلزل بطنها وتولد «جبالها» كميل الساعات. و«السماء» بتغيراتها بحركات أجرامها وظهور ذوي الأذْناب والكسوفات والشهابات كالميل الذي يعد الأيام.
فالدنيا المبنية على هذه الأركان السبعة -مع أنها واصفةٌ لشؤونات الأسماء ولكتابة قلم القدرة والقَدر- فانيةٌ هالكة متزلزلة راحلةٌ كالماء السيال في الحقيقة. لكن تجمّدت -صورةً- بالغفلة، وتكدّرت بالطبيعة فصارت حجابا عن الآخرة.
فالفلسفة السقيمة والمدنية السفيهة تزيدان جمودَتها وكُدورَتَها بالتدقيقات الفلسفية والمباحث الطبيعية. وأما القرآن فينفش الدنيا كالعهن المنفوش بآياته، ويشفّفها ببيّناته، ويذيبها بنيّراته، ويمزّق أبديتَها الموهومة بنعياته، ويفرّق الغفلةَ المولدة للطبيعة برعداته. فحقيقةُ الدنيا المتزلزلة تَقرأ بلسان حالها المذكورة آيةَ