اعلم أن مميّز الإنسان عن الحيوان شمولُ علاقته بالماضي والمستقبل، وكليةُ إدراكه بالأنفس والآفاق.. وكشفُه لترتب العلل الظاهرية في إنشاء الأشياء الظاهرية. فأعظمُ وظيفته وأقدمُها، (32) وأتم جهازاته وألزمُها؛ التسبيحُ والتحميد بالجهاز المخلوق لهما، فيسبّح الإنسانُ صانعَه بلسان الماضي والحال والمستقبل، وبألسنة الأنفس والآفاق. (33) وبسر مشاهدته لتسبيحات المخلوقات وشهادته عليها يُثني على صانع الأشياء بقراءة أسمائه المكتوبة بالترتيب والترتب في حكمة صُنع الأشياء. ف«سبحان الله» يتضمن معنى الحيرةِ والتقدير، ومعنى التعجب والاستحسان، ومعنى التنزيه والتقديس، ومعنى الهَيبة مع المحبة، ومعنى المجهولية للعظمة.

اعلم أن لله عطايا وقضايا ومقدرات.. ينفذ العطاءُ في القضاء، والقضاءُ في القدَرَ. أي يخرق العطاءُ قانونَ القضاء. كما تنخرق صلابةُ الحجر والتراب عند مرور العروق اللينة، وتنكسر مقاومةُ الحديد للمَيل اللطيف من الماء اللطيف عند الانجماد، ويُخرق لسهم القضاء قانونُ القَدر كما ينخرق القانونُ الكلي الذي هو قَدَرُ النوع بشذوذ الجزئيات الخارقة المخصّصة للإشارة إلى أنه سبحانه فاعلٌ مختار، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، ويَحْكُمُ ما يريدُ، لا مانع لما أعطى، ولا رادّ لما قضى.. فنسبة العطاء إلى القضاء كنسبة القضاء إلى القَدر، أي العطاء شذوذٌ عن قانون القضاء كما يقول العارف بحقيقة الحال: «يا إلهي إن حسناتي من عطائك، وسيئاتي من قضائك. لولا عطاؤك لكنت من الهالكين». أي استعداد النفس الأمارة بالسوء قانونُ شر وهلاك.

اعلم أن السر في تختيم الآيات بفذلكات متضمنة للأسماء الحسنى كأمثال آية الملك، أو بعين الأسماء كما في كثير من الآيات، هو أن القرآن الحكيم ببيانه الإعجازي يبسط الآثار للنظر، ثم يستخرج منها الأسماء، كأمثال آيةِ ﴿ وَهُوَ الَّذ۪ي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُع۪يدُهُ وَهُوَ اَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْاَعْلٰى فِي السَّمٰوَاتِ وَالْاَرْضِ وَهُوَ الْعَز۪يزُ الْحَك۪يمُ ﴾ (الروم:٢٧).

وكذا ينشر للبشر منسوجاتِ صُنعه، ثم يطويها في الأسماء.

وكذا يفصّل أفاعيلَه ثم يَجْملها بأسمائه.