نمارد وفراعين.. ومن «القوة العقلية» أثمرت في عقول البشر الدهريين والماديين وفلاسفةً يعطون للواجب واحدا، ويقسِّمون سائرَ مُلكه على غيره تعالى.. وإن «أنا» في ذاته كأنه كان هواء وبخارا، لكن بسبب شؤم نظرهم تميّع، ثم بالألفة تصلّب، ثم بالغفلة تجمّد، ثم بالعصيان تكدّر فاستغلظ حتى ابتلع صاحبَه. وتوسَّع بأفكار النوع، ثم قاسَ الناسَ والأسباب على نفسه فصار مبارزا لأوامر خالقه. فمن هنا اضطر بعضُ الفلاسفة إلى تأثير الأسباب، (21) وإيجاد الطبيعةِ والتصادفِ، ونفيِ الحشر، وقِدَمِ الأرواح وأمثالِها من ضلالاتهم ﴿ قَاتَلَهُمُ اللّٰهُ اَنّٰى يُؤْفَكُونَ ﴾ (التوبة:٣٠)، اختطفتهم الشياطينُ بمنقارِ «أنا» وأنابيبه ومخاليبه.

ف«أنا» في العالم الصغير كالطبيعة في العالم الكبير، كلاهما من الطواغيت،


﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللّٰهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقٰى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللّٰهُ سَم۪يعٌ عَل۪يمٌ ﴾ (البقرة:٢٥٦).


اعلم أن حياة الحسنات بالنية، وفسادَها بالرؤية والرياء والإراءة، وعرقَ الوجدانيات المشعورة بالذات تنقطع بالنية وبشعور ثانوي، (22) كما أن النية حياةُ الأعمال، كذلك النية موتُ الأحوال بجهةٍ. (23) مثلا: نية التواضع تفسده، ونيّة التكبر تزيله، ونيّة الفرح تطيّره، ونيّة الغم تهوّنه وقس. (24)

اعلم أن الشجرة بل كل ما فيه قانونُ التكامل، لابد أن تنبت على نواة تربّت في بطن ثمرة من مثل تلك الشجرة. فإن لم تُسْبَقْ بغيرها كشجرة العالَم، فلابد لها من نواة عريانة ما تجسدت بالثمرة بعدُ. ثم حقُّها من العناية الأزلية أن تلبس أيضا ثمرةً من ثمرة الشجرة التي تنبّتت عليها، فلابد أن تكون تلك الثمرة التي تجسدت النواةُ بها أعظمَ وأكرمَ وألطف وأشرف وأعلى وأجلَّ. فالكائنات شجرة، والعناصر أغصانُها، والنباتات أوراقها، والحيوانات أزاهيرها، والأناسي ثمراتها. وأضوأُ ثمراتها وأنورُها وأولاها وأجلاها وأحسنُها وأزيَنُها وأعظمها وأكرمها وأشرفها وألطفها وأجمعُها وأنفعها هو محمد عليه الصلاة والسلام سيدُ المرسلين