فإذا تأمّلتَ في «أنا» بالمعنى الحرفي، صار لك عينا تفهّمتَ ورأيت به كل ما في الكون، لأنه إذا جاءت المعلومات الآفاقية صادفتْ في «أنا» ما يصدّقها. فإذا فهمتها انتهت وظيفةُ «أنا» وربوبيتُه الموهومة ومالكيتُه المفروضة. فليرجع «أنا» من السّمَكَتية إلى الحبابية.. (20) وأما إذا نظرت إلى «أنا» بالمعنى الاسمي واعتقدتَه مالكا، وخُنت في الأمانة دخلت تحت: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسّٰيهَا ﴾ (الشمس:١٠)، إذ الأمانة التي تدهشتْ من حملها السماوات والأرض والجبال هي «أنا» من هذه الجهة، إذ منها يتولد الشرك والشرور والضلالات، إذ إذا تستَّر «أنا» عنك غلُظَ، حتى صار حبلا بلع وجودَك فصار كُلُّك أنا. ثم استغلظ بأنانية النوع والاستناد به فيصير شيطانا يبارز أمرَ صانعه. ثم يقيس الناسَ، ثم الأسبابَ على نفسه فيقع في شرك عظيم.. ففي هذا الوجه لو أرسلتَ عينك وفتحت كل الآفاق انغلق في وجهك، برجوع عينك إلى نفسك؛ إذ ترى كلَّ شيء بلون ما في نفسك من «أنا». ولونُه في ذاته -في هذا الوجه- الشرك والتعطيل، ولو مُلئت الآفاقُ آياتٍ باهرةً، وبقي في «أنا» نقطةٌ مظلمة طمَّت على الآيات.

مسألة مهمة: وهي أن «أنا» له وجهان: وجه أخذتْه النبوة، ووجه أخذته الفلسفة.

فالوجه الأول: منشأ العبودية المحضة؛ ماهيتُه حرفية، ووجودُه تبعي، ومالكيتُه وهميّة، وحقيقتُه فرضية، ووظيفتُه صيرورتُه ميزانا ومقياسا لفهم صفات الخالق. فالأنبياء هكذا نظروا إلى «أنا»، فسلَّموا المُلك كلَّه لله، وحكموا بأنه لا شريك له لا في مُلكه ولا في ربوبيته ولا في أُلوهيته، وبيده مقاليدُ كلّ شيء وهو على كلّ شيء قدير. ومن هذا الوجه الشفافِ الحي أَنبت الرحيم جلّ جلاله شجرة طوبى العبوديةِ فأثمرت أغصانُها المباركة في حديقة الكائنات، دانيةً قطوفُها، متدلية بثمرات الأنبياء والمرسلين والأولياء والصديقين المتلألئين كالنجوم في الظلمات.

وأما الفلسفة فنظرت إلى «أنا» بالمعنى الاسمي دون الحرفي، وبالوجود الأصلي دون التبعي، وزعموه مالكا بالحقيقة، وظنوه حقيقة ثابتة، وتوهموا وظيفتَه تكمُّلَ ذاته بحب ذاته. فمن هنا تشعبت أنواعُ الشرك، وعلى رأس «أنا» تنبتتْ شجرةُ زقومِ الضلالةِ؛ فمن غصن «القوة البهيمية» أثمرت في أنظار البشر -باستحسان القوة الظالمة والحسن المرائي- أصناما عابدةً من جهة، ومعبودةً من جهة.. ومن غصن «القوة الغضبية» أثمرت على رؤوس البشر