وكما أن ما بين وجهَي المرآة أرق من الورق، مع أن بينهما من الفرق كما بين الغرب والشرق، ثم تبدّلُ الوجهين -بأن تضحك في وجهك أو تعبس- يحصل بتحريك الإصبعين لها.. (16) كذلك لأفعال البشر وجهان؛ فبتعلُّق النية بها لوجه الله تنقلب وتريك وجها شفافا معكسا يسَع في عمقه المثالي ما لا يحدّ من التجليات، وبفقدان النية أو النية لغير وجه الله يُظهر الوجه الجامد أو الأسودَ السطحي الذي لا يُغني من الحق شيئا.

وكما أن الوجه الأسود الملون من المرآة لا يسع في عمقه شيئا وفي عرضه، إنما يسع بمقدار جِرمه الصغير وأما الوجه الشفاف؛ فلاتصاله بالبرزخ والمثال المطلق يسع ما لا يحد ولا يضيق عمقه من أعظم الأشياء.. كذلك الحياةُ لها وجهان: وجهٌ إلى الدنيا أسود ضيق فانٍ، ووجهٌ إلى الحق شفاف واسعٌ دائمي، فالنفس الغافلة بقبول مغلطة الشيطان تلبس الوجهَ الأسود وتُظهر أحكامَ الوجه الأشف، بطول الأمل وطلب الأبد.

اعلم أن مفتاحَ العالم في يد الإنسان وفي نفسه، فالكائنات -مع أنها مفتّحةُ الأبواب- منغلقة، (17) فالحق سبحانه أودع -من جهة الأمانة- (18) في الإنسان مفتاحا يفتح به كلَّ أبواب العالم، وطلسما يفتح به كنزَ خلّاق الكون. والمفتاحُ ما فيك من «أنا». إلّا أن «أنا» أيضا معمّى مغلق، ومُطلسَم منغلق، فإذا فتحتَ «أنا» بمعرفةِ ماهيته الموهومة انفتح لك الكائنات.

نعم، إن الله جلّ جلاله أعطى ليد الإنسان «أنا» ليصيِّره واحدا قياسيا -بالفرض والتوهّم لا بالعلم والتحقق- لفهم أوصاف الربوبية.

فالإنسان إذا عرف «أنا» ما هو؛ بأن رآه شعرةً شعورية في حبل وجود الإنسان، وخيطا رقيقا في ثوب ماهية البشر، وألِفا في كتاب الشخص؛ له وجهان: وجه إلى الخير، فَبِه قابلٌ للفيض فقط لا فاعل. ووجهٌ إلى الشر والعدم وبه فاعل، وماهيته موهومة، وربوبيته مخيّلة، ووجوده أضعف من أن يتحمل شيئا بالذات.. بل إنما هو كميزان الحرارة وأمثاله من الموازين التي يُعرَف بها مقادير الأشياء. ف«أنا» أيضا ميزان يُعرَف به الصفات المحيطة المطلقة للواجب الوجود.. وأذعَنَ (19) دخل تحت: ﴿ قَدْ اَفْلَحَ مَنْ زَكّٰيهَا ﴾ (الشمس:٩) وأدى الأمانة بحقها.