اعلم (43)يا من يتوهم اللذةَ والسعادةَ الدنيوية في الغفلة وفي عدم التقيد بالدين!

أني جرّبتُ نفسي مرةً فرأيتُني على جسر امتدّ من رأس جبلٍ إلى رأس جبل شاهقَين، وتحتَهما وادٍ عميق في غاية العمق، وقد أظلم علينا الدنيا بما فيها.

فنظرت في يميني الماضي، فما رأيت إلّا ظلماتٍ عدَميّة مدهشة.. ثم في يساري المستقبلي، فما رأيت إلّا غياهب مهدِدة دهاشة.. ثم إلى تحتي، فرأيت عمقا إلى أسفل السافلين.. ثم إلى فوقي، فما رأيت إلّا غيما بُكما صُما يمطر الغمَّ واليُتمَ واليأس والبأس.. ثم في أمامي فرأيت في خلال الظلمات عفاريتَ وعقاربَ وليوثا وذئاباَ كاشرةً أسنانَها للافتراس.. ثم في خلفي، فما رأيت مددا ولا مغيثا ولا معينا.

فبينما أنا مدهوش مأيوس نادم من تجربتي! إذ نبهتْني الهدايةُ الربانية، فرأيت وقد طلع على الأنام قمرُ الإسلام وأشرقت شمسُ القرآن، فرأيت جسرَ الحياة: طريقا تمر بين جنان النِّعم السبحانية وتنتهي إلى جنة الرحمة الرحمانية.. ويميني الماضي: بساتينَ مزهرةً بالصُلَحاء، منورةً مثمرة بالأنبياء والأولياء تجري من تحتهم أنهارُ الدهور، وهم في البقاء خالدون.. ويساري: فراديسَ تزهر فيها الآمالُ والأماني برحمة الحنان المنان.. وفوقَنا: سحائبَ الرحمة تفيضُ علينا ماءَ الحياة، وفي خلالها تبتسم الشمس بأنوار الهداية والسعادة الأبدية.. وأما ما في أمامي من الكائنات، فإخواني وأحبابي وأنعامٌ مؤنسات، صوّرتْها ظلمةُ الضلالة وحوشا موحشات، فقرأت علينا هذه الواقعة: ﴿ اَللّٰهُ وَلِيُّ الَّذ۪ينَ اٰمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ اِلَى النُّورِ وَالَّذ۪ينَ كَفَرُٓوا اَوْلِيَٓاؤُ۬هُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ اِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾ (البقرة:٢٥٧).

يا نورَ النور بحق اسمك النور أخرجنا من الظلمات إلى النور.. آمين..


اعلم أيها السعيد المجنون المحزون! إن مَثلَك كمثل صبي أبله قعد على ساحل البحر يبكي دائما لزوال الحبابات المتشمسة. كلما زال واحدٌ بكى عليه، ظنا منه انطفاءَ الشُميسة المتبسمة في الحباب بزوال الحباب وتحوله، وقد يبكي لتكدر ما في الحباب وتشوهه باختلاط موادَّ كثيفةٍ به، ولا يرفع رأسَه حتى يتفطن لتنزّه الذات -التي هذه التماثيل جلواتُ أنوارها المتجددة على وجه البحر وخدود الأمواج وعيون القطرات- عن الزوال بزوال مرايا تجلياته، بل ليس في ما ترى زوالٌ مؤلم ولا فراقٌ أليم.