أن قلبي محتاج لحبيب وشفيق خاص يعينني على حسياتي ويصاحبني، فالأولى أن أتّخذَ من دونه وليا ومرجعا»، ثم يتحرى في خارج نظام العسكر روابطَ ومعاملات حتى يصير عاصيا، فيُطرَدُ ويُحبس «كالفاسق المحروم»، ويقال له: ألم تعلم أيها المسكين أن خزينة المَلكِ تكفي لكل حاجتك وحاجاتِ سائر الأفراد المرتزقين؟. وأما ما في يدك ويد أربابك فلا يكفي لأدنى حاجتك، إذ أنت بين أعداءَ لا تُعدّ وآمالٍ لا تُحد، وإن قانون المَلِك لتجرده عن الماديات لا يُشغل -ذلك القانونَ- نفرٌ عن نفر، بل يتوجه بتمامه لأي فردٍ كان، ولو كنتَ وحدكَ في السلك العسكري لما تفاوتَت المعاملة، فكأن السلطان ينظر إليك خاصةً دائما في منظار قانونه، ويراك بأبصار ملتزمي قانونه، لاسيما إذا لم يكن السلطان ماديا كقانونه المجرد، فلا يغفل عنك حينئذٍ ولو طرفةَ عين، ففي عموم إحسانه نظرٌ خصوصي إليك، بدليل انطباق الإحسان على الحوائج التي تخصك بذاتها، أو تخصك بكيفياتها، ومفتاح هذا السر هو: أن الأحدية تتلمع في خلال وُسعة الواحدية، كتلمّع عين الشمس في خلال الضياء المحيط حتى في كل ما مسّه الضياءُ من الذرات الشفافة وكتلمع النظام التام في خلال المُشَوَّشِيَّة الظاهرية الناشئة من اشتباك أشتات الأشياء.

والحاصل: إن فاطرَك ومالكَك أرحمُ وأكرمُ وألطفُ وأرأفُ بك من كل قريبٍ وحبيبٍ ورفيقٍ وشفيقٍ وهو العليمُ بك وبأسرارك، وهو القديرُ على أعظمِ مطالبك وعلى أخفاها. فاترك الكلَّ وتوكل عليه..

اعلم (35)أن كتابَ الكائنات الذي هو «كتابُ القُدرة» مكتوبٌ على مِسطرِ «الكتاب المبين» الذي هو «كتاب العلم» بشهادة أن هذا النظام والميزان المشهودَين المحيطين بابان بعينهما من هذين الكتابين، ورابطةُ اتصالهما، وبرزخٌ بينهما، وعنوانان لقبضتي الرحمن، ولا رَطبٍ ولا يابسٍ إلّا وهما داخلانِ من باب هذين البابين في «الكتاب المبين». ولأجل أنه لا خارج في الكون والوجود من البابين بالمشاهدة، فكل شيء داخل في ذلك الكتاب.

وأما القرآن المبين الذي هو كتاب «صفة الكلام» فهو ترجمان الكتابين: الغيبيّ والشهودي، القُدرتيّ والعلمي. وفهرستةُ البابين وفذلكة القبضتين.