نفسها إلا الطين! وشجرة الرمان تسقي الرمان شرابا صافيا مما أعطاها ربُّها وهي لا تشرب إلّا الماء! وهكذا.

ثم انظر إلى الحبوبات تَرَ فيها اشتياقا ظاهرا للتسنبل كمثل المحبوس في أضيق المكان كيف يشتاق للخروج إلى البستان. ومن هذا السر الجاري في الكون بسنةِ الله يكون العاطلُ المستريح أشقى من الساعي المجدّ، إذ ذاك شاكٍ من عمره، وهذا شاكرٌ. واندمجت الراحةُ في الزحمة، والزحمة في الراحة. (32)

ثم انظر إلى الجامدات تَرَ فيها أن ما «بالقوة» يجتهد لأن يصيرَ «بالفعل» ويسعى بسنة الله بطور يرمز إلى أن في المسألة شوقا ولذة. ألا ترى قطرةَ الماء كيف يشتمل قلبُها على شوق لامتثال أمر بارئها، بحيث اقتدر الماءُ بشدّة ذلك الشوق مع لطافة الماء وضعفه على شق الحديد مع قوة مقاومته عند سماع أمرِ: «توسَّع أيها الماء بإذن ربك» بواسطة لسان البرودة! وهكذا.

حتى إن جميعَ ما في الكون من السعي والحركة: من اهتزاز الذرات، إلى دوران الشمس إنما يجري على قانون القَدر، وإنما يصدر من يد القُدرة، وإنما يَظهر بالأمر التكويني المتضمن للعلم والأمر والإرادة، بل يتضمن القُدرةَ أيضا. حتى إن كل ذرة وكل مركب وكل ذي حياة كنفرٍ من العسكر له نَسَب في دوائر المركبات. وله وظائف لفوائد، بعدد نَسَبه فيها كذرة عينك في حُجيرة عينك، وفي عينك، وفي أعصاب وجهك، وفي شرايين بدنك.. لها في كل نسبةٍ وظيفةٌ لفائدة وهكذا.. فكل شيء يشهدُ على وجوب وجود القدير الأزلي بلسان عجزه عن تحمل ما لا طاقة له به، من وظائفه المحمولة عليه في نظام الكون وحفظ موازنة قوانينه؛ إذ «النظام والموازنة» بابان مهمان دقيقان من «الكتاب المبين». فأين الذرةُ والنحلة -مثلا- وأين قراءةُ ذلك الكتاب الذي هو في يد مَن يطوي السماء كطي السجلّ للكتب! وكذا يشهد كلُّ شيء على وحدة واجب الوجود الحق سبحانه بعلاقته وهو فرد بالمركبات المتداخلة المتصاعدة ووظائفِه في مقاماتها ونَظَر نِسَبِه ووضعيته إلى نقوشها!

ثم إن الفاطر الحكيم أجملَ لكل شيء دساتيرَ بابَي «الكتاب المبين» في لذة خاصة واحتياج مخصوص بذلك الشيء، إذا عمل الشيء عليها صار ممتثلا من حيث لا يشعر لأحكام