تسمى «وفيات». فالقرآن الحكيم أهدى للبشر هديةً لو اهتدوا بها لسلكوا بها في مثل هذا الطريق.. ﴿ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ (يونس:٦٢).

فيا أوروبا! تزعم أن كل ذي حياة من أصغر السمك إلى أكبر المَلَك مالكٌ لنفسه ويعمل لذاته وإنما يسعى للَذته، له حق حياة وغايةُ همته حفظ البقاء. وما ترى فيما بينها من «التعاون» المأمور به من جانب خالقها: كإمداد النباتات للحيوانات والحيوانات للإنسان، تظنه «جدالا».. حتى حكمتَ بأن «الحياةَ جدال». (22)فيا سبحان الله كيف يكون إمدادُ ذرات الطعام بكمال الشوق لتغذية حُجيرات البدن جدالا وخصاما؟ بل إنما الإمدادُ تعاونٌ بأمر رب كريم.

والدليل على أن ذا الحياةِ ليس مالكا لنفسه، هو: أنَّ أشرفَ الأسباب وأوسعَها «اختيارا» الإنسانُ. والحال أنه ليس في يدِ اختيارِه ودائرةِ اقتدارهِ من أظهر أفعاله الاختيارية -كالأكل والكلام والتفكر- من المائة إلّا جزء واحد منهم. فإذا كان الأشرف الواسع الاختيار هكذا مغلولَ الأيدي عن التملك والتصرف الحقيقي، فكيف بسائر البهيمات والجمادات؟

وما ورّطك في هذا الخطأ إلّا دهاؤك الأعور؛ إذ نسيَ ربّه الذي هو خالق كل شيءٍ، واستند بالطبيعة الموهومة وأسندَ الآثار إلى الأسباب، وقسَّم مالَ الله على الطواغيت. فعنده يضطر الإنسان وكل ذي حياة أن يصارعَ مع ما لا يُعد من الأعداء لتحصيل ما لا يحد من الحاجات، باقتدارٍ كذرة، واختيار كشعرة، وشعور كلمعة تزول، وحياة كشعلة تنطفئ، وعمرٍ كدقيقة تنقضي؛ مع أنه لا يكفي كلُّ ما في يده لواحد من مطالبه. فإذا أُصيب بمصيبة لا يستمد إلّا من أسباب صمّ وعمي: ﴿ وَمَا دُعَٓاءُ الْكَافِر۪ينَ اِلَّا ف۪ي ضَلَالٍ ﴾ (الرعد:١٤) فقَلَب دهاؤك المظلم نهارَ البشر ليلا متنورا بأنوار كاذبة مستهزية. وصَيَّر كلَّ ذي حياة في نظر تلاميذه كالرجل المسكين المبتلى بهجوم الظلمة كما رأينا في الطريق الأُولى.. ويرى في الدنيا مأتما عموميا، ويرى الأصواتِ نعياتِ الموت ونياحات اليتامى. وصيَّرَ تلميذَه الخاص: «فرعونا» لكن يعبد أخسَّ الأشياء، ويرى كلَّ سبب نافع أنه ربُّه.. «متمردا» لكن يتمسكن بنهاية الذلة للذَّته. ويقبّل رِجلَ الشيطان لمنفعة خسيسة.. و«جبارا» لكن لعدم نقطة الاستناد عاجزٌ في ذاته بغاية العجز.