اعلم (15) يا أيها السعيد الغافل! تنظر إلى أطرافك الآفاقية فتراها ثابتة مستمرة في الجملة وبالنوع، فتظن نفسَك أيضا ثابتةً دائمةً حتى لا تتدهشُ إلّا من القيامة، كأنك تدوم إلى أن تقوم هي. كلا! إنك ودنياك في مَعرض الزوال والفناء في كل آن. فمثلك في هذا الغَلط كمثل مَن في يده مرآة متقابلةٌ لمنزل أو بلد أو حديقة ارتسمتْ هي فيها، ففي أدنى حركة للمرآة وتغيرها يحصل الهرج والمرج في تلك الثلاثة التي اطمأننتَ بها. وأما بقاؤها في أنفسها فلا يفيدك، إذ ليس لك منها إلا ما تعطيك مرآتُك بمقياسها وميزانها. فتأمل في مرآتك وإمكان موتها وخراب ما فيها في كل دقيقة. فلا تحمِل عليها ما لا طاقةَ لها به.

اعلم (16) أن من سنة الفاطر الحكيم -في الأكثر- ومن عادته، إعادةَ ما لَهُ أهميةٌ وقيمةٌ غاليةٌ بعينهِ لا بمثله في الأدوار والفصول المتكررة بتجدد الأمثال في أكثر الأشياء. فانظر إلى الحشر العصري والسنوي واليومي، تَرَ هذه القاعدةَ مطّردة. وقد اتفقت الفنونُ وشهدت العلومُ على أن الإنسان أكملُ ثمرات شجرة الخلقة، وله أهمية عظيمة وقيمة غالية، وفردُه كنوعِ غيره. فبالحدس القطعي يُعادُ كلُّ فردٍ من البشر في الحشر والنشر بعينه وجسمه واسمهِ ورسمهِ.

......... (17)

اعلم أن الفذلكات المذكورةَ في أواخر الآيات لا تنظر إلى تلك الآية التي هي فيها فقط، بل تنظر إلى مجموع القصة، بل إلى تمام السورة، بل إلى جميع القرآن؛ لتساند الآيات وتلاحظها وتناظرها، فلا تزنْ ما في الفذلكة بميزان مآل آيتها فقط، ولا تحمِل عظمتَها على حُكمٍ جزئي مُهّد المحلُ لذكرها، وإلّا بَخَسْتَها حقَّها. مثلا قال: ﴿ وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْاٰيَاتِ ﴾ (الأعراف:١٧٤).. ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا ف۪ي هٰذَا الْقُرْاٰنِ ﴾ (الإسراء:٤١).. ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ ف۪ي هٰذَا الْقُرْاٰنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ﴾ (الروم:٥٨).. و ﴿ اِنَّ اللّٰهَ عَز۪يزٌ حَك۪يمٌ ﴾ (التوبة:٧١)..