وأما الثاني: فمحالاته لا تحصى:

منها: أن المواد التي صُنِعت منها كزجاجات الأدوية في «صيدلية»، فإن أمكن عندك أن يخرج بانصبابٍ وسيلان بلا مداخلة أحدٍ من كل زجاج مقدارٌ معين بميزان حساس، ثم تجتمعَ المقاديرُ المتفاوتة لتشكيلِ علاج الحياة أو تركيبِ معجون حيويّ، أمكنَ لك أن تتوهم صدورَك من أسبابٍ جامدة.

ومنها: صدور شيء واحدٍ بكمال الانتظام من أسباب غير محدودة جامدِين متشاكسِين عُميا صما مترددين بين الإمكانات. تزداد بالاختلاط أعمَيَتُها وأصميّتها، ومع أن مباشرتَها بظاهر الشيء. والحال أن باطنه ألطفُ وأكمل صنعة، فمحاليةُ صدورك منها أظهرُ من أن يخفَى.

ومنها: أن اجتماعَ تلك الأسباب الغيرِ المحصورة بكمال الاتفاق والانتظام بميزان الحاجة في حُجيرة من حُجيرات عينك ليس بأسهلَ من اجتماع أركان العالم بوجوده الخارجي بأجرامه العظيمة في كفِّك، بل في ظُفركَ، بل في حُجيرةٍ منه؛ إذ مَن يعمل في بيت، جاز اشتمالُ البيت عليه إن كان العامل ماديا، فما دام العالَم بأجزائه عاملا في جزئكَ جاز دخوله في ذرتك. وهذه سفسطة يخجل منها السوفسطائي.. وهكذا من المحالات المتسلسلة والممتنعات العقلية والأباطيل التي تمجّها الأوهام.

والاحتمال الثالث: وهو تأثير الطبيعة، فأبطَلُ وأفسد. إذ الطبيعة لها ظاهرٌ عُرفي موهوم ظَنّته الغفلةُ والضلالة حقيقةً، ولها باطنٌ هو الصنعة الإلهية والصبغة الرحمانية.

وأما القوةُ فحقيقتها تَجلّي قدرة الحكيم العليم الخبير المريد. وأما ما يصوِّره نظرُ الغفلة والتغافل من الصانع الواحد وما اتصل به من جناحَي التصادف الأعمى والاتفاقية العوراء.. فمن مخترعات الشياطين بالاضطرار الناشئ من الضلالة.

ولقد حققنا في «نقطة، وقطرة وذيلها، وشمة، وذرة، وحبة وذيلها» بما لم يُبق شبهةً: أن هذه الصنعة الخارقة لا تصدر إلاّ من قدرةِ خبيرٍ بصيرٍ، يتصف بجميع أوصاف الكمال.

فأين يدُ الممكن المسكين المقيد المحدودِ الجامد الكثيف من نسج حُلَّة الكائنات؟! وأين يدُ البعوضة من نسج قميصاتٍ مطرزات منقشات لَبِستْها هذه العوالم؟!