به. «أي واه» واشقاوتا أغرقُ في قطرة تصير بحرا عليّ، وأغيبُ في آن يصيرُ كالأبد، وأظن لمعةَ هذه الحياة شمسا شارقة!

أيها السعيد المسكين! ما رأسُ مالِك إلا ستون دينارا تقريبا، أخذتَ خمسة وأربعين فصرفتَها كلَّها لمصارفِ يوم في خانِ الدنيا، ونسيتَ بيتكَ وما يلزم له فصار مالُكَ عليكَ دَيْنا ونارا، وما بقيَ من خمسة عشر دينارا مجهولٌ لا تدري أتأخُذُها أو بعضَها أو لا تأخذ شيئا منها. فكلما أخذت شيئا منها فاصرفه لبيتك الدائمي. ولا أقلّ استَبْقِ لكَ ثُلثه ليَصيرَ لك دِينا ونُورا. فما أجهلكَ وأشدكَ خسارة! صرفتَ كلَّ المأخوذ ليوم زائل وما بقي في يدك لمقامك الباقي إلا أقلُّ قليل، وأنت راحلٌ غافلٌ؛ كانت لك ثلاث درجات: خطوت على اثنتين بخروجك من المنزل والبلد، فرفعتَ قدمك لتخطى على الدرجة الثالثة بالخروج من الدنيا الفانية.

اعلم (46) أنه كَبُرَتْ كلمةً تخرجُ من أفواه الناس، إذ يقولون: «تشكَّل بنفسه».. و«اقتَضَتْهُ الطبيعة» و«أوجَدَتْهُ الأسباب». فهذه الجمل الثلاث باطلة، ومن ظروف المحالات: إذ إنك موجود، فإما أنتَ مصنوعُك بالنظر إلى الجملة الأولى.. وإما مصنوعُ أسباب العالم كما اقتضته الثانية.. وإما مصنوعٌ بطبيعة موهومة، وقوة عمياء كما تدل عليه الثالثة.. وإما مصنوع الله كما يستلزمه الحق والحقيقة.

أما الأوّل: فمحالٌ بوجوهٍ غير محصورة:

منها: لابد أن تعطيَ لكل ذرةٍ من ذراتك عينا ترى كلَّكَ، بل كلَّ الكون وشعورا كذا، وهكذا ممّا يستلزمه كمالُ صنعتك لنظر نِسَب الجزء إلى نقوش الكل.

ومنها: لابد أن توجَد فيك عددَ المركبات المتداخلة المتصاعدة المتنازلة في ذراتك قوالبُ كقوالب الطبع من الحروف الحديدية المصنوعة أيضا، لو لم تُكتب بقلم القدير الأزلي الواحد.

ومنها: لابد أن يكون كلُّ ذرة بسر وحدة الأثر حاكمةً على الكل ومحكومة للكل، كالأحجار في البناء المعقّد بفرض نفي الباني.. وكذا ضدا ومثلا، ومُطلقةً ومقيدةً، ومصدرا ومنبعا لصفاتٍ تستبعد وجودها حتى فيمن يطوي السماء كطيّ السجل!