إذ هي مع تفاوت أفرادها في الصور الجسمية، كالسمك والطير، تتقارب في قيمة الروح؛ فكأن الإنسان الذي قام من «مخروط الكائنات» في حاق الوسط، (30) منه إلى الذرة ومنه إلى شمس الشموس سواء؛ إذ لم يُحدَّد قواه ولم تُقيّدْ، أمكَنَ له أن يتنزل ويتسفل «بالأنانية» إلى أن يكون هو والذرة سواء؛ وكذا جاز له أن يتجاوز بالعبودية وبترك «أنا» ويتصاعدَ بإذنه تعالى إلى أن يصيرَ بفضل الله كشمس الشموس مثل محمد عليه الصلاة والسلام.

اعلم أن الأصل في الشيء البقاء، حتى إن الأمورَ السيالة السريعةَ الزوالِ -كالكلمات والتصورات- لها أيضا مواضعُ أُخر يتحصنون فيها من الزوال. لكن يتطورون في الصور، حتى كأن الأشياء موظفون لحفظ الشيء إما بتمامه كالنوراني، أو وجهٍ من الشيء، يسارعون بكمال الاهتمام لأخذه ووضعه في قلوبهم الشفافة.

والحكمة الجديدة تفطنت لهذا السر لكن بلا وضوح، فلهذا أخطأت بالإفراط فقالت: لا عدمَ مطلقا، بل تركُّبٌ وانحلال. (31) كلا! بل تركيب بصُنعه تعالى.. وتحليل بإذنه.. وإيجادٌ وإعدام بأمره.. يَفعَلُ مَا يَشاءُ ويَحكُم مَا يُريدُ.

اعلم أيها السعيد الشقي! إن القبرَ بابٌ باطنه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب.. وأَوِدَّاؤك ومَن تحبُّه، أكثرهم -حتى كلُّهم- ساكنون خلف هذا الباب. ألَمْ يأنِ لك أن تشتاق إليهم وإلى عالَمِهم.. فَتنظَّفْ، وإلّا استقذروك.

لو قيل لك مثلا: إن «الإمام الرباني أحمد الفاروقي» قُدس سره، ساكن الآن في الهند، لاقتحمتَ المهالك وتركتَ الأوطان لزيارته. مع أن تحت اسم أحمد فقط ألوفَ نجوم حول شمسِ مَن في الإنجيل اسمه «أحمد» وفي التوراة «أُحيد» وفي القرآن «محمد».. وتحت اسم محمّد ملايين.. وهكذا كلهم خلف باب القبر في رحمة الله ساكنون. فلابد أن يكون نصب عينك دائما «هذه الأساسات» وهي:

(١) إن كنتَ له تعالى كان لك كلُّ شيء، وإن لم تكن له كان عليك كلُّ شيء.

(٢) وكلُّ شيء بِقَدَرٍ، فارضَ بما آتاك تزد يُسْرا على يُسْرٍ، وإلّا زدْتَ مرضا على مرض.