تُولِد أُلفةً معها وابتلاءً بها، بل تصير داءً، دواؤها الدائمي نفسُها، فيتعذر تركُها. فيتمنى صاحبُها عدَم عقابٍ عليها، ويتحرى بلا شعور ما يدل على عدم العذاب، فتستمر هذه الحال حتى تنجر إلى إنكار العذاب وردّ دار العقاب. وكذا إن خجالة المعصية -بغير الندامة والقلع- تُلجئ صاحبَها إلى إنكار كون المعصية معصيةً، وإنكار مَن يطلع عليها من حَفَظة الملائكة وغيرها.. فمِن شدة الخجالة يتمنى عدمَ الحساب.. فإن صادف وهما ينفيه، تلقّاه برهانا.. وهكذا إلى أن يسودّ القلبُ، العياذ بالله..

اعلم (26) أن من لمعات معجزات القرآن كما في «اللوامع» (27) المشتملة على الإشارة إلى أربعين نوعا من إعجازه، ومن كمال بلاغته: أنه جمع السلاسةَ الرائقة، والسلامةَ الفائقة، والتساندَ المتين، والتناسبَ الرصين، والتعاون بين الجمل وهيئاتها، والتجاوبَ بين الآيات ومقاصدِها بشهادة علم البيان وعلم المعاني، مع أنه نزل في عشرين سنة منجَّما لمواقع الحاجات نزولا متفرقا متقاطعا بتلاؤم كأنه نزل دفعةً.. ولأسباب نزولٍ مختلفة متباينة مع كمال التساند، كأن السببَ واحدٌ.. وجاء جوابا لأسئلة مكرّرة متفاوتة، مع نهاية الامتزاج والاتحاد، كأن السؤال واحدٌ.. وجاء بيانا لحادثاتِ أحكامٍ متعددة متغايرة، مع كمال الانتظام كأن الحادثة واحدة.. ونزل متضمنا لتنزلات إلهية في أساليبَ تناسب أفهام المخاطَبين، لاسيما فهم المنزَل عليه عليه السلام، بحالات في التلقي متنوعةٍ متخالفة، مع غاية التماثل والسلاسة، كأن الحالةَ واحدة.. وجاء متكلما متوجها إلى أصنافِ مخاطبين متعددةٍ متباعدة، مع سهولة البيان وجزالة النظام ووضوح الإفهام كأن المخاطَب واحد، بحيث يظن كلُ صنف كأنه المخاطَب بالأصالة.. ونزل مُهديا وموصلا لغاياتٍ إرشادية متدرجة متفاوتة، مع كمال الاستقامة والنظام والموازنة كأن المقصد واحد؛ تدور تلك المقاصد والغايات على الأقطاب الأربعة: وهي «التوحيد، والنبوة، والحشر، والعدالة». فبسر امتلائه من التوحيد، الْتَأَمَ وامتزج وانتظم واتّحد.

ومن كان له عين في بصيرته، يرى في التنزيل عينا ترى كلَّ الكون، كصحيفة مبصَرة واضحة.. وقد جاء مكررا ليقرِّر.. ومردّدا ليحقق قصصا وأحكاما. مع أنه لا يُمِلُّ تكرارُهُ،