وأما ثالثا: فإن ما ينتظرك وأنت تذهب إليه بسرعة بلا انحراف من القبر الذي هو باب إلى الآخرة، لا يقبل منك مزيَّنات الدنيا هديةً، إذ تنقلب هناك قبائح.
وأما رابعا: فوازنْ بين سكونك ساعة في موقع بين الأعداء والمؤذيات والحشرات المضرة، وبين السكون في سنين كثيرة في موقع آخر قد اجتمع فيه كل أحبابك وكل عظمائك. ومالِك الملك أيضا يدعوك إلى ترك لذة تلك الساعة ليريحَك في تلك السنين مع أوِدّائكَ. فأجب داعيَ الله قبل أن تُساق إليه بالسلاسل.
فسبحان الله ما أعظمَ فضلَ الله على الإنسان يشتري بثمنٍ غالٍ من الإنسان مالا له وديعةً عند الإنسان ليحمله عنه.. ويبقيَه له.. ويحميَه مما يفسده. مع أن الإنسان إنْ تَملَّكَه ولم يبعْه وقع في بلاءٍ عظيم في تعهّده بقدرة لا تكفي -من ألوف مصالحه- بواحد.. ولو تحمله بنفسه على ظهره لأنقض ظهرَه. ولو أمسكه بنفسه لزال سريعا وذهب مجانا وفني مورثا لآثامه وأثقاله على مالكه الكاذب.
اعلم أنه إنني مصداق لما قيل:
وعيني قد نامت بليلِ شبيبتي ولم تنتبه إلّا بصُبح مَشيب (24)
إذ أشدُّ أوقات انتباهي في شبيبتي، رأيته الآن أعمقَ طبقات نومي! فالمتنورون المتنبهون في عُرف المدنيين كانتباهي فيما مضى، مَثَلُهم كمثل مَن رأى في رؤياه أنه انتبه وقصَّ رؤياه على بعض الناس، والحال أنه بهذا الانتباه مرّ من طبقة النوم الخفيفة إلى الطبقة الكثيفة. فمَن كان هكذا نائما كالميت كيف يوقظ الحي الناعس، وكيف يُسمع الناعسَ ما يتكلم به من وراء حُجب نومه المضاعف!
أيها المتنبّهون النائمون! لا تتقرَّبوا إلى المدنيين بالمسامحة الدينية والتشبّه، ظنا منكم أنكم تَصيرون جسرا بيننا وبينهم، وتملأون الواديَ بيننا. كلّا، إن المسافة بين المؤمنين والكافرين غيرُ محدودة، والوادي بيننا في غاية العمق لا تملأونه، بل تلتحقون بهم أو تضلّون ضلالا بعيدا!
اعلم أن في ماهية المعصية (25)-لاسيما إذا استمرت وكثرت- بذرَ الكفر.. إذ المعصية
وأما رابعا: فوازنْ بين سكونك ساعة في موقع بين الأعداء والمؤذيات والحشرات المضرة، وبين السكون في سنين كثيرة في موقع آخر قد اجتمع فيه كل أحبابك وكل عظمائك. ومالِك الملك أيضا يدعوك إلى ترك لذة تلك الساعة ليريحَك في تلك السنين مع أوِدّائكَ. فأجب داعيَ الله قبل أن تُساق إليه بالسلاسل.
فسبحان الله ما أعظمَ فضلَ الله على الإنسان يشتري بثمنٍ غالٍ من الإنسان مالا له وديعةً عند الإنسان ليحمله عنه.. ويبقيَه له.. ويحميَه مما يفسده. مع أن الإنسان إنْ تَملَّكَه ولم يبعْه وقع في بلاءٍ عظيم في تعهّده بقدرة لا تكفي -من ألوف مصالحه- بواحد.. ولو تحمله بنفسه على ظهره لأنقض ظهرَه. ولو أمسكه بنفسه لزال سريعا وذهب مجانا وفني مورثا لآثامه وأثقاله على مالكه الكاذب.
اعلم أنه إنني مصداق لما قيل:
إذ أشدُّ أوقات انتباهي في شبيبتي، رأيته الآن أعمقَ طبقات نومي! فالمتنورون المتنبهون في عُرف المدنيين كانتباهي فيما مضى، مَثَلُهم كمثل مَن رأى في رؤياه أنه انتبه وقصَّ رؤياه على بعض الناس، والحال أنه بهذا الانتباه مرّ من طبقة النوم الخفيفة إلى الطبقة الكثيفة. فمَن كان هكذا نائما كالميت كيف يوقظ الحي الناعس، وكيف يُسمع الناعسَ ما يتكلم به من وراء حُجب نومه المضاعف!
أيها المتنبّهون النائمون! لا تتقرَّبوا إلى المدنيين بالمسامحة الدينية والتشبّه، ظنا منكم أنكم تَصيرون جسرا بيننا وبينهم، وتملأون الواديَ بيننا. كلّا، إن المسافة بين المؤمنين والكافرين غيرُ محدودة، والوادي بيننا في غاية العمق لا تملأونه، بل تلتحقون بهم أو تضلّون ضلالا بعيدا!
اعلم أن في ماهية المعصية (25)-لاسيما إذا استمرت وكثرت- بذرَ الكفر.. إذ المعصية