والنمل أخوك والنحلة أختك، فأين أنت وأين مَن يَطوي السّماء ﴿ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ (الأنبياء: ١٠٤) ﴿ وَالْاَرْضُ جَم۪يعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيٰمَةِ وَالسَّمٰوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَم۪ينِه۪ ﴾ (الزمر:٦٧)؟
فقل له: إن عدم تناهي عجزي وفقري وذلّي، مع علمي الإذعانيّ به يصيرُ مرآةً لعدم تناهي قدرته وغَنائه وعزته. فهذا السر رقّاني من مرتبة إخواني الحيوانات. وإن من لوازم كمال عظمته وإحاطة قدرته أن يسمعَ ندائي ويرى حاجاتي ولا يُشغله تدبيرُ الأرض والسماوات عن تدبير شؤوني الحقيرة.
وأما تباعد الإنسان والممكن بدرجة عظمته عن الاشتغال بجزئيات الأمور وخسائسها، فليس من عظمته.. بل إنّما ينشأ من عجزه ونقصه وضعفه. أفلا تشاهد كلَّ حَبابٍ بل كل رشاشةٍ من القطرات والذرات الزجاجية، تشتمل على تمثال الشمس، لو تكلّمت تلك لقالت كلٌّ منها: الشمس لي وعندي وفيّ ومعي.. وما يزاحم تلك الذراتِ في المناسبة مع الشمس لا عيونُ السيارات ولا خدودُ البحور ولا عظمةُ الشمس. بل بدرجة علمنا بعدم تناهي فقرنا وحقارتنا تتزايد القربة -والمناسبة بعدم المناسبة- (47) فما ألطفَ مناسبةَ من لا يتناهى في فقره وعجزه، مع من لا نهاية لغناه وقدرته وعزته وعظمته!
فسبحان مَن أدرج نهايةَ اللطف في نهاية العظمة، وغايةَ الرأفة في غاية الجبروت، وجَمعَ نهاية القُرب مع غاية البُعد. وآخى بين الذرات والشموس، فأظهر قدرته بجمع الأضداد!
فانظر كيف لا تُشغلهُ حشمةُ تدبير الأرض والسماوات عن لطافة تربية الهوام والحشرات، ولا يعوقُه تدبيرُ البر والبحر عن إيجاد أصغر النحل والطير وعن إحياء صغار السماك في أعماق البحور، ولا تزاحمه شدةُ عاصفات البر وحدّة غضب البحر عن كمال لطفه وإحسانه إلى أخفى وأضعفِ وأعجزِ وأصغرِ حيوان ساكنٍ في أخفى مكان، متوكلا تحت ظلمات كثافة البحر وغياهب أمواجه وتفاقم ارتجاجاته، وظلمةِ الليل وظلمات سحابه..
فتبسُمُ الرحمة في خلال غضب البحر وخلف وجهه العبوس القمطرير؛ إذ ينادي هذا البحر بنغماته الواسعة: يا عظيم، يا جليل، يا كبير، يا الله.. سبحانك ما أعظم كبرياءك. فيقابله
فقل له: إن عدم تناهي عجزي وفقري وذلّي، مع علمي الإذعانيّ به يصيرُ مرآةً لعدم تناهي قدرته وغَنائه وعزته. فهذا السر رقّاني من مرتبة إخواني الحيوانات. وإن من لوازم كمال عظمته وإحاطة قدرته أن يسمعَ ندائي ويرى حاجاتي ولا يُشغله تدبيرُ الأرض والسماوات عن تدبير شؤوني الحقيرة.
وأما تباعد الإنسان والممكن بدرجة عظمته عن الاشتغال بجزئيات الأمور وخسائسها، فليس من عظمته.. بل إنّما ينشأ من عجزه ونقصه وضعفه. أفلا تشاهد كلَّ حَبابٍ بل كل رشاشةٍ من القطرات والذرات الزجاجية، تشتمل على تمثال الشمس، لو تكلّمت تلك لقالت كلٌّ منها: الشمس لي وعندي وفيّ ومعي.. وما يزاحم تلك الذراتِ في المناسبة مع الشمس لا عيونُ السيارات ولا خدودُ البحور ولا عظمةُ الشمس. بل بدرجة علمنا بعدم تناهي فقرنا وحقارتنا تتزايد القربة -والمناسبة بعدم المناسبة- (47) فما ألطفَ مناسبةَ من لا يتناهى في فقره وعجزه، مع من لا نهاية لغناه وقدرته وعزته وعظمته!
فسبحان مَن أدرج نهايةَ اللطف في نهاية العظمة، وغايةَ الرأفة في غاية الجبروت، وجَمعَ نهاية القُرب مع غاية البُعد. وآخى بين الذرات والشموس، فأظهر قدرته بجمع الأضداد!
فانظر كيف لا تُشغلهُ حشمةُ تدبير الأرض والسماوات عن لطافة تربية الهوام والحشرات، ولا يعوقُه تدبيرُ البر والبحر عن إيجاد أصغر النحل والطير وعن إحياء صغار السماك في أعماق البحور، ولا تزاحمه شدةُ عاصفات البر وحدّة غضب البحر عن كمال لطفه وإحسانه إلى أخفى وأضعفِ وأعجزِ وأصغرِ حيوان ساكنٍ في أخفى مكان، متوكلا تحت ظلمات كثافة البحر وغياهب أمواجه وتفاقم ارتجاجاته، وظلمةِ الليل وظلمات سحابه..
فتبسُمُ الرحمة في خلال غضب البحر وخلف وجهه العبوس القمطرير؛ إذ ينادي هذا البحر بنغماته الواسعة: يا عظيم، يا جليل، يا كبير، يا الله.. سبحانك ما أعظم كبرياءك. فيقابله