اعلم يا أيها المبتلى بالأسباب، إن خلق السبب وتقدير سببيته وتجهيزه بلوازمِ إنشاء المسبَّب، ليس بأسهل وأولى وأكمل وأعلى من خلق المسبَّب عند السبب بأمر «كن» ممن يتساوى بالنسبة إليه الذراتُ والشموسُ..

اعلم يا قلبي أن ما يُرى ملء الدنيا من آلام الأعدام، إنما هي تجدّد الأمثال، ففي الفراق مع وجود الإيمان توجد لذةُ التجدد دون ألم الزوال. فآمِن تُؤمَن، وأسْلِم تسلَم.

اعلم أن العصبيةَ العنصريةَ الجاهلية، ما هي إلّا الغفلةُ المتساندة المتصالبة، وإلّا الضلالةُ والرياء والظلم المتجاوبة المتعاونة.. فيصير الخلقُ وملّته كمعبودِه -العياذ بالله- وأما الحمية الإسلامية، فهي النور المهتز المنعكس من ضياء الإيمان.

اعلم يا من يشتغل بالمناظرة مع الملحدين والمتشككين والمقلدين للزنادقة الأوروبائيين! إنك على خطر عظيم إن كانت نفسُك غيرَ مزكاة، لأجل التحاق نفسك سرا وتدريجا من حيث لا تشعر بخصمائك.. على أن المناظرة بالإنصاف المسمى بالتركي «بي طَرَفَانَه مُحَاكَمَه» (45) أشدُّ خطرا على ذي النفس الأمارة؛ إذ بكثرة تكرار فرض المنصف نفسَه في موقع الخصم يقيمُ في ذهنه خصما خياليا فيتولد منه في دماغه «لُمّةُ تنقيدٍ» تصيرُ وكيلَ خصمه داخلا، فيتعشش الشيطانُ في تلك اللمة. لكن لا تيأس إن كانت نيتُك خالصة. فإذا أحسَستَ بهذا الحال فاصرف عنان الجهاد إلى عدوك الأكبر الداخلي، وعليك بكثرة التضرع والاستغفار.

اعلم أن الآلات الجامدة والحيوانات وجهَلةَ العَمَلة المستخدمة في بناء قصر عجيب لسلطان عظيم، وترسيمِ نقوشه، يعلم كلُّ مَن رآها أنها «لا تعمل بحساب أنفسها بل بحساب مَن يستخدمها» في مقاصده العالية الواسعة وأغراضِه الرقيقة التي تتقاصر عن إدراكها أفكارُ خواص العلماء، فكيف بجَهلَة العوام وبهيمةِ الأنعام وجامدات الأقلام.. كذلك من أمعن في جلوات الأزاهير وتودداتها وتحبباتها إلى أنظار ذوي الحياة تيقَّن أن الأزاهير موظفون -من جانبِ حكيمٍ كريمٍ- بالخدمة والتودد لضِيفَان ذلك الكريم النازلين بإذنه في أرضه، وكذلك الحيوانات.

نعم، أين حس الزهرة وشعور البهيمة، وأين دَرْكُ غايات نقوش الحِكَم ولطائف