اعلم يا من ابتُلي بحب هذه الحياة حتى حسبتَ أن العلة الغائية في الحياة وبقائها، وأن كل ما أودعتْه القدرةُ الأزلية في جوهر الإنسانية وذوي الحياة من الجهازات العجيبة والتجهيزات الخارقة، إنما أعطاها الفاطر الحكيم لحفظ هذه الحياة السريعةِ الزوال، ولأجل البقاء. كلا ثم كلا! إذ لو كان بقاء الحياة هو المقصود من كتاب الحياة، لصار أظهرُ وأبهرُ وأنورُ دلائلِ الحكمة والعناية والانتظام وعدم العبثية بإجماع شهادات نظامات الكائنات؛ أعجَبَ وأغربَ وأنسَبَ مثال العبثية والإسراف، وعدمِ الانتظام وعدم الحكمة. كمثل شجرٍ -كجبل- ليس لها إلّا ثمرة فردة كخردلة. بل يرجع إلى الحي من ثمرات الحياة وغاياتها بمقدار درجةِ مالكيةِ الحي للحياة وتصرفه الحقيقي فيها. ثم سائر الثمرات والغايات راجعةٌ إلى المحيي جلّ جلاله بالمظهرية لتجليات أسمائه، وبإظهار ألوانِ وأنواعِ جلوات رحمته في جنته في الحياة الأخروية التي هي ثمرات بذور هذه الحياة الدنيوية وهكذا..

إذ كما أن الشخص الموظف بأن يجسّ ويضع إصبعه عند اللزوم على الجهازات التي تتحرك بها السفينة العظيمة للسلطان، لا يرجع إليه من فوائد السفينة إلا بمقدار علاقته وخدمته، أي من الألوف واحد.. كذلك درجة تصرّف كل حي في سفينة وجوده. بل هناك يمكن أن يستحق من الألوف واحدا، لكن لا يستحق بالذات هنا من ملايينِ ملايينِ واحدا أيضا..

اعلم يا قلبي أن لذائذ الدنيا وزينتَها بدون معرفة خالقنا ومالكنا ومولانا -ولو كانت جنة- فهي جهنم. هكذا ذقتُ وشاهدتُ. حتى في نعمة الشفقة كما في «قطرة». ومعرفته تُغني عن كل ما في الدنيا حتى عن الجنة أيضا.

اعلم يا قلبي: إن كل ما يجري في هذه الدنيا له وجهان: وجه إلى الدنيا والنفس والهوى، ووجه إلى الآخرة. فأما الوجه الدنيوي فأعظمُ الأمور وأثقلُها وأَثْبَتُها هو في نفس الأمر بدرجة من الصغر والخفة والزوال، بحيث لا يساوي ولا يوازي ولا يليق لأن يُشوَّش له القلب «بالمَرَق» والتضجر، والتألم وشدة التأمل..

اعلم يا قلبي هل ترى أحمقَ وأبلهَ وأجهل ممن يرى تمثالَ الشمس مثلا في ذرةٍ شفافة، أو تجليَها في صبغةِ زهرة؛ ثم يطلب في الشُميسة المرئية في الذرة ومن لون الزهرة وصبغتها