الإسلامية. فكأن كلَّ ما لا يعد من الشواهد والشهداء والبراهين والأمارات، كل منها يضعُ إمضاءه على سند كلٍ من أخواتها، فيختم كلٌّ منها خاتمَ تصديقه على منشور كلِّ واحدٍ، بسرّ ما مرّ -في بداية هذه الرسالة-، خلافا للنافي؛ إذ للمنافاةِ بين النافي والمثبِتِ يُنفى منَ النَّافي ما يُثبَتُ للمُثبِتِ. فألفُ نافٍ كفردٍ.

اعلم أنه قد تصير شدةُ محبة الشيء سببا لإنكاره، وكذا شدةُ الخوف، وكذا غايةُ العظمة، وكذا عدم إحاطةُ العقل..

اعلم أني قد تيقنتُ -كأني شاهدتُ بحدس قطعي- أن جهنم مندمجةٌ بالقوة (31) في بذر الكفر كاندماج شجرة الحنظلة في نواتها.. وأن الجنة مندمجة في حبة الإيمان كاندراج شجرة النخلة في نواتها. فكما لا غرابة في استحالة النواة وانقلابها إلى شجرة الحنظلة أو شجرة النخلة، كذلك لا استبعاد في تحول معنى الضلالة متجسما جهنما (32) تعذِّب، ولا في تمثل أنوار الهداية جنةً تُستَعذب. وفي «اللوامع» (33) نبذة من هذه الشهود في هذا العالم أيضا.

اعلم كما أن الحبة من بذور الحبوبات ونوى الثمرات إذا ثُقبت في قلبها، لا تتكبر بالتنبّت. كذلك حبة «أنا» إذا ثُقبت بشعاع ذكر: الله.. الله.. لا تتعاظم تلك الأنانية متفرعةً بالانتعاش ومتفرعنةً بالغفلة، ومستحصنةً ومستندةً بآثار النوع، ومبارزةً بالعصيان لجبّار السماوات والأرض. والأولياءُ النقشبنديون موفَّقون لفتح حبة القلب وكشف طريقٍ قصير بثقب جبل «أنا» وكسر رأس النفس بمثقاب الذكر الخفي. كما أن بالذكر الجهري تُخرّب طاغوت الطبيعة أو تمزَّق..

اعلم أن أبعدَ وأوسعَ وأرقَّ دوائر الكثرة وطبقاتها يتلألأ عليها أيضا أثرُ الحكمة والإتقان والاهتمام. فإن شئتَ فانظر إلى نهاية ما انبسط وانتشر إليه التكثّر من جلد الإنسان وصورته، لترى كيف يُحَشِّي قلمُ القدرة صحيفةَ جبهته ووجهه وكفيه بخطوطٍ ونقوش وآلات دالات على معاني في روح الإنسان، وعلى طائره المعلق في عنقه المشير إلى القَدر المكتوب في فطرته، حتى لم يترك هذه التحشيةُ منفذا لدخول التصادف الأعمى والاتفاقية العوراء..