أن تلك القصور هي الأناسي، حتى رأيتُ كل إنسان قصرا، حتى رأيت نفسي العاصية أيضا قصرا.. وسقوطَ أهل القصور على مراتب مختلفة نزولا أدنى فأدنى. فشاهدت أن ما يزعم أهلُ المدنية ترقيا ما هو إلّا سقوطٌ، واقتدارا ما هو إلا ابتذال، وانتباها ما هو إلّا انغماس في نوم الغفلة، و«نزاكة» (29) ما هي إلّا رياءٌ نفاقي، و«ذكاوة» (30) ما هي إلّا دساسية شيطانية، وإنسانيةً ما هي إلّا قلبُ الإنسانية حيوانيةً. لكن يلوح على هذا الشخص الساقط العاصي لوائحُ اللطافة والجاذبية لاختلاط لطائفه النورانية بنفسه الظلمانية؛ خلافا للمتدين المطيع الذي عند الباب نفسُه المتكدرة فقط. إلّا أنه قد يتنازل لطائفُ الصالح أيضا، لا للهوسات السفلية، بل لإرشاد الناس الخارجين من الحدود وإمدادِهم بإرجاعهم إلى ما هم خُلقوا لأجله، إن الله سبحانه إذا أحبّ عبدا لا يحبب إليه محاسن الدنيا بل يُكرّهها إليه بالمصائب.

أيواه! واأسفا! قد أظهرت هذه المدنيةُ السفيهة خوارقَ جلابة وملاهيَ جذابة، يتساقط إليها سكان قصور الإنسان ومخدَّراتُها، كتساقط الفَراش على النور المشرق المنقلب إلى النار المحرقة..

اعلم أيها السعيد الشقي! ما هذا الغرور والغفلة والاستغناء؟ ألا ترى أن ليس لك من الاختيار إلّا شعرة، وليس من الاقتدار إلّا ذرة، وليس من هذه الحياة إلّا شعلة تنطفئ، وليس من العمر إلاّ قليل مثل دقيقة تنقضي، وليس من الشعور إلّا لمعة تزول، وليس من الزمان إلا آنٌ يسيل، وليس من المكان إلا مقدار القبر! ولك من العجز ما لا يُحدّ، ومن الاحتياج ما لا يتناهى، ومن الفقر ما لا يُحصى، ومن الآمال ما لا غاية لها، وهكذا.. فمَن كان بهذه الحالة من العجز، وفي هذه الدرجة من الحاجة، هل يتوكل على ما في يده ويعتمد على نفسه.. أو يتوكلُ على الله الرحمن الرحيم الذي من ظروف خزائن رحمته وصناديق نعمته: هذه الشموس وهؤلاء الأشجار المملوءة من الأنوار والأثمار، ومن موازيب حوض فيضه ومسيلاتِ رحمته: الماء والضياء.

اعلم يا من يستعظم النتيجةَ ويستضعف دليلَها! إنه ما من دليل يشهد على حقيقةٍ من الحقائق الإيمانية، إلّا ويزكّيه ويؤيّده ويقوّيه ويمدّه كلُّ ما قام على صدق شيء ما من