ومراتب الإخلاص والإحسان. فبكثرة التسامع يتساوى العوامُ والعلماء في التذكر والتخطر بسماع القرآن. إذ العجمي يفهم المآل إجمالا وإن لم يعرف المعنى. وكذا لا يَعقلُ ذلك الغافلُ أن عربية الخطبة وَسْمٌ سماوي مسدّد ومُزيَّن في سماء وحدة الإسلام، وبالتغيير يصير وَشما مشتِتا مشينا. (20)

اعلم يا من أحاطَ به الغفلة وأظلمت عليه الطبيعة حتى صار «أعمى وأصم» يعبد الأسباب في ظلمات الطبيعة الموهومة! إني أُترجم لك لسانا واحدا من خمسة وخمسين ألسنة يتكلم بها كلُّ واحدٍ من مركبات الكائنات وذراتها شاهداتٍ على وجوب وجوده تعالى ووحدته في ألوهيته وربوبيته جل جلاله.. (21) وهو أن اضطرابات الأرواحِ والعقول الناشئةَ من ضلالاتها الناشئةِ من استنكاراتها الناشئةِ من الاستبعاد والاستغراب والحيرة في إسناد الأشياء إلى أنفسها، وإلى الأسباب الإمكانية.. تلجئ الأرواحَ والعقولَ للفرار إلى الواجب الوجود الواحد الأحد الذي بقدرته يحصل إيضاحُ كل مُشكل، وبإرادته يحصل فتحُ كلِّ مغلَق، وبذكره تطمئن القلوب.

فإن شئت تحقيقه فانظر إلى هذه الموازنة وهي: أن الموجودات إما فاعلُها جانبُ الإمكان والكثرة، وإما جانبُ الوجوب والوحدة؛ فما يُتوهم بقصور النظر من الكلفة والاستبعاد، والاستغراب في إسناد كل شيء إلى الواجب الوجود، تصير محققةً عند الإسناد إلى الكثرة، لقصور أي سبب كان، وضعفِه عن تحمل أي مسبَّب كان، في جانب الكثرة دون الوحدة. فما يُتوهمُ هناك متحقق هنا. ثم بعد هذا تتضاعف الكلفة والاستبعاد والاستغراب عدد أجزاء الكائنات مع أنها في الإسناد الأول كانت واحدةً موهومة وصارت هنا حقيقةً متضاعفة عدد أجزاء الكائنات؛ إذ في الإسناد إليه تعالى نسبةُ كثيرٍ غيرِ محدود إلى واحدٍ مباين الماهية لها، وفي جانب الكثرة نسبةُ واحدٍ إلى كثير غير محدود متماثلة الماهية؛ إذ النحلة مثلا، لو لم تُسنَد إلى الواجب الواحد، لزِمَ اشتراكُ السماوات والأرض في إيجادها لعلاقتها بأركان العالم. مع أن صدورَ الكثير عن الواحد أسهلُ بمراتبَ من صدور الواحد عن الكثيرين المتشاكسين الصُم العُميِ الذين لا يزيد اختلاطُهم إلّا أعميتَهم وأصمّيتَهم. ثم مع ذلك إن الكلفة لو كانت في الإسناد الأول مثلَ ذرة، تترقى في الإسناد الثاني إلى أمثال الجبال؛ إذ الواحد بالفعل