حقيقي ومجازي، فالمتكفَّل بالآية هو الحقيقي. وأما المجازي الصُنعي اللازم بالتزام ما لا يلزم وبالاختيارات السيئة والاعتيادات المضرة، حتى صارت الحاجات الغيرُ الضرورية ضروريةً، فَلَبست الحاجاتُ الكاذبةُ صورةَ الرزق، فهذا الرزق غير متكفَّل بالآية. ومَن تأمل في الباذنجانات التي هي أسماكُ البر وفي الأسماك التي هي باذنجانات البحر كيف أسَمَنتها القدرة الفاطرة؛ إذ كلها سمينة -ما فيها هزيلة- يأتيها رزقُها رغدا من حيث لا تحتسب.. عَلِم أن الوسوسة في الرزق واتهامَ الرزاق من البلاهة.

نكتة

اعلم أن المصائب التي تصيب المعصومَ من الحيوان والإنسان، يجوز أن يكون لها أسبابٌ تدِقّ عن فهم البشر؛ مثلا: إن الشريعة الفطرية التي هي دساتير المشيئة، لا تنظر إلى العقل حتى يَسقط التكليفُ بها عند عدم العقل، بل تنظرُ إلى القلب والحس، بل والاستعداد أيضا، فتجازي على أفاعيلها.. وقد نشاهد الحيوان كاملا في حس النفس، والصبي بالغا في حس القلب، بل حسُّ طفلك، أكملُ من عقلك وأشد تيقظا؛ إذ تظلِمُ يتيما بالضرب ولا يمنعك عقلُك، وصبيُك الناظر إليك يُبكيه حسُّ شفقته.. لو كان هو لانزجر.

فإذ كان هذا هكذا؛ فالصبي الذي يمزِّق للتهوس والتلهّي نحلةً مسكينة، ولم يسمعْ نهيَ حسِّ شفقته الحساسة، فأصيب بأن انكسر رأسُه.. استحقَّ.

مثلا: إن النَّمِرة تحس في نفسها على شِبلها شفقةً شديدة ومع رفيقها حسَّ حمايةٍ، فلا يمنعها هذان الحسّان من تمزيق الظبية المسكينة.. فمزّقتها، ثم أصيبت هي ببندقة (56) الصياد مثلا، أفلا تكون مستحقةً؟ إذ رزقُها الحلال أمواتُ الحيوانات لا أحياؤها! على أن هذا مبنيّ على توهم مالكية الحيوانات لأنفسها، والحق أن هذا باطل كما مرّ سابقا، وأن المالك الحقيقي هو مالك الملك ذو الجلال والإكرام يتصرف في مُلكه كيف يشاء، وهو الفاعل المختار الفعال لما يريدُ ﴿ لَا يُسَْٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسَْٔلُونَ ﴾ (الأنبياء:٢٣).