خاتمة

في مسائل مشهودة متفرقة

المسألة الأولى

اعلم أني أقول مادمتُ حيا، كما قال مولانا جلال الدين الرومي قُدس سرّه:

من بندهء قرآنم أكر جان دارم من خاك راه محمد مختاره م (48)


لأني أرى القرآن منبع كلّ الفيوض، وما في آثاري من محاسن الحقائق ما هو إلّا من فيض القرآن. فلهذا لا يرضى قلبي أن يخلو أثرٌ من آثاري من ذِكرِ نُبَذٍ من مزايا إعجاز القرآن. ولقد ذكرتُ في [اللوامع] أنواع إعجاز القرآن البالغة إلى نيف وأربعين نوعا. أذكرُ هنا تبركا مسألةً فقط؛ هي هذه:

انظر إلى مَن قال؟ ولمَن قال؟ ولِمَ قال؟ وفيمَ قال؟

نعم، إن مَنابع علو طبقة الكلام؛ وقوّتِه وحسنِه وجماله أربعةٌ: المتكلم، والمخَاطَبُ، والمقصدُ، والمقامُ. لا المقام فقط.. كما ضلّ فيه الأُدباء. وكذا إن الكلام لفظُه ليس جسدا بل لباسٌ له، ومعناه ليس روحا بل بدنٌ له. وما حياتُه إلّا مِن نية المتكلم وحسّه. وما روحُه إلّا معنىً منفوخٌ من طرف المتكلم. فالكلام إنْ كان أمرا أو نهيا فقد يتضمن الإرادةَ والقدرةَ بحسب درجة المتكلم، فتتضاعف علويةُ الكلام وقوته.

نعم؛ أين صورة أمر فضولي ناشئ من أماني التمني وهو غير مسموع، وأين الأمر الحقيقي النافذُ المتضمن للإرادة والقدرة؟ فانظر أين: ﴿ يَٓا اَرْضُ ابْلَع۪ي مَٓاءَكِ وَيَا سَمَٓاءُ اَقْلِع۪ي ﴾ (هود:٤٤) وأين خطاب البشر للجمادات كهذيانات المُبَرسَمين: «اسكني يا أرض وانشقي يا سماء وقومي يا أيتها القيامة».. وكذا أين أمرُ أميرٍ مُطاعٍ لجيش عظيم مطيع ب«آرش!.» واهجموا على أعداء الله، فهجموا وغلَبوا، ثم أين هذا الأمر إذا صدر من حقير لا يُبالَى به وبأمره.. وكذا أين تصويرُ مالكٍ حقيقي، وآمرٍ مؤثرٍ أمرُه، نافذٍ حكمُه، وصانع وهو يصنع،