عن أنها جاهلة لا يعرف بعضها بعضا. علاوة على أنها عمياء، وليس بين يديها إلّا المصادفة العمياء.. ف ﴿ قُلِ اللّٰهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ ف۪ي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ (الأنعام:٩١).

الخلاصة: أنَّ الإعجاز الباهر الظاهر في النظام والتناسق والاطراد المشاهَد في كتاب الكون الكبير -وهو برهاننا الثاني على التوحيد- يظهر بوضوح تام كالشمس الساطعة أنّ الكون وما فيه ليس إلّا آثار قدرة مطلقة وعلم لا يتناهى وإرادة أزلية.

سؤال: بمَ يثبت النظام والانتظام والتناسق؟

الجواب: إنَّ العلوم الكونية التي توصل إليها الإنسانُ، هي كالحواس لنوع الإنسان وكالجواسيس تكشف له عن مجاهيلَ لا يصلها بنفسه. فبالإستقراء التام يمكنه أن يتوصل إلى كشف ذلك النظام بتلك الحواس والجواسيس. فكل نوع من أنواع الكائنات قد خصّ بعلم أو في طريقه إلى ذلك، لذا يُظهر كلُّ علمٍ ما في نوعه من انتظام ونظام بكليّة قواعده، لأنَّ كل علم في الحقيقة عبارة عن دساتير وقواعد كلية. وكليةُ القواعد تدل على حسن النظام؛ إذ ما لا نظام له لا تجري فيه الكليةُ. فالإنسان مع أنه قد لا يحيط بنفسه بالنظام كلّه إلّا أنه يدركه بجواسيس العلوم، فيَرى أن الإنسانَ الأكبر -وهو العالَم- منظَّمٌ كالإنسان الأصغر سواءً بسواء. فما من شيء إلّا ومبنيّ على أُسس حكيمة، فلا عبث، ولا شيء سدىً. فبرهانُنا هذا ليس قاصرا -كما ترى- على أركان الكائنات وأعضائها، بل يشمل الخلايا وجميع الكائنات الحية، بل يشمل الذرات جميعا، فكلها لسانٌ ذاكر يلهج بالتوحيد، والجميعُ يذكرون معا: «لا إله إلّا الله» .

البرهان الثالث: هو القرآن الحكيم

إذا ما ألصقتَ أذنك إلى صدر هذا البرهان الناطق ستسمع حتما أنه يردد: «لا إله إلّا هو». فبرهانُنا هذا يمثل شجرة عظيمة متشعبة الأغصان والفروع، تتدلى منها ثمرات الحق والحقيقة من كل جانب بغزارة ووفرة وحيوية، بحيث لا تدع لأحد أن يداخله ريبٌ من أن بذرتها الأصيلة -وهي التوحيد- قوية، حقة، حية؛ إذ لا يخفى أن البذرة الفاسدة لا تؤتي شجرتُها الثمار الغضة كل حين.

أما غصن هذه الشجرة الوارفة الممتدُ إلى عالم الشهادة. فهو يحمل أثمار الأحكام الصائبة الحقة، مثلما أن الغصن العظيم الممتد إلى عالم الغيب غنيٌّ بالثمرات اليانعة الحقة للتوحيد والإيمان بالغيب.