إن كان في المعاملة والخدمة والسعي والتفكر فهو الضلال، وإن كان في النتائج والغايات فهو الكمال. فأهل الضلال وأهل الهدى متعاكسان في النسيان والتذكر؛ أما الضال فينسى نفسه عند النظر للعمل وتطبيقِ دساتير الوظيفة، بل يمدّ نظرَه إلى الآفاق لتطمين الأنانية المتفرعنة، وغرورِه المنبسط الذي تضيق عنه النفسُ. لكن يتذكر نفسه في كل شيء من الغايات فتيلا أو نقيرا. حتى لا غاية عنده إلّا ما يعود إلى نفسه. وإن غاية الغايات في نظره حب ذاته.
وأما من زكّاها فيتذكر نفسَه قبل كل شيء عند السعي والسلوكِ في الحركة، أو التفكر فكأن نفسه واحد قياسي ومبدأ مركزي لكل عملٍ وتفكر. لكن ينسَى نفسه في النتائج والأعراض والفوائد والمقاصد. حتى كأن نفسه فانية، وداخلة في لا شيء، أو مملوكة خَدمت سيدَها بلذة الإخلاص، في وظيفة عائدة من كل وجه إلى السيد. فلا حقَّ لها في مقاضاة شيء، فما أعطى سيدُها لها تراه النفس من محض الفضل.
اعلم أن سر تساند المؤمنين في عباداتهم ودعواتِهم في جماعاتهم سرٌّ عظيم وأمر جسيم له شأن فخيم؛ إذ يصير به كلُّ فرد كالحجر المجصوص، في البناء المرصوص. يستفيد من إخوانه في الإيمان، بألوفِ ألفِ ألفِ ما يستفيد من عملِ نفسه. فإذا نظّمهم سلكُ الإيمان يصير كلٌّ لكلٍّ، وللكلِّ شفيعا وداعيا ومسترحما وراجيا ومادحا ومُزكيا. لاسيما لرئيسهم ورأسهم. (23) فيتلذذ كلُّ فرد بسعاداتِ سائر إخوانه كتنعّم الأم الجائعة بلذة ولدها، والأخِ الشفيق بسعادة شقيقه. حتى يصيرُ هذا الإنسان المسكين الفاني مستعدا لعبوديةِ خلّاق الكائنات، وقبول السعادة الأبدية.
فانظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام فإذا تراه، وهو يدعو ب«يا أرحم الراحمين»، ترى الأمة كلهم يقولون: «اَللَّهُمَّ صل وسلم على عبدك وحبيبك محمد بحرِ أنوارك، ومعدن أسرارك، وناشر ذكرك وشكرك، ودلّال محاسن سلطنة ربوبيتك». فيزكّونه عند ربهم، ويحببونه إلى مَن أرسله رحمة لهم، ويؤيدون شفاعته. وكذا ينادون بلسان عجزهم المطلق وفقرهم المطلق، غناءَه -سبحانه- المطلق، في استغنائه الأكمل. وينادون جودَه المطلق في عزته الأجلّ. وينادون بلسان عبوديتهم المطلقة ربوبيتَه المطلقة. وبهذا التعاون العُلوي المعنوي يترقى الإنسان من
وأما من زكّاها فيتذكر نفسَه قبل كل شيء عند السعي والسلوكِ في الحركة، أو التفكر فكأن نفسه واحد قياسي ومبدأ مركزي لكل عملٍ وتفكر. لكن ينسَى نفسه في النتائج والأعراض والفوائد والمقاصد. حتى كأن نفسه فانية، وداخلة في لا شيء، أو مملوكة خَدمت سيدَها بلذة الإخلاص، في وظيفة عائدة من كل وجه إلى السيد. فلا حقَّ لها في مقاضاة شيء، فما أعطى سيدُها لها تراه النفس من محض الفضل.
اعلم أن سر تساند المؤمنين في عباداتهم ودعواتِهم في جماعاتهم سرٌّ عظيم وأمر جسيم له شأن فخيم؛ إذ يصير به كلُّ فرد كالحجر المجصوص، في البناء المرصوص. يستفيد من إخوانه في الإيمان، بألوفِ ألفِ ألفِ ما يستفيد من عملِ نفسه. فإذا نظّمهم سلكُ الإيمان يصير كلٌّ لكلٍّ، وللكلِّ شفيعا وداعيا ومسترحما وراجيا ومادحا ومُزكيا. لاسيما لرئيسهم ورأسهم. (23) فيتلذذ كلُّ فرد بسعاداتِ سائر إخوانه كتنعّم الأم الجائعة بلذة ولدها، والأخِ الشفيق بسعادة شقيقه. حتى يصيرُ هذا الإنسان المسكين الفاني مستعدا لعبوديةِ خلّاق الكائنات، وقبول السعادة الأبدية.
فانظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام فإذا تراه، وهو يدعو ب«يا أرحم الراحمين»، ترى الأمة كلهم يقولون: «اَللَّهُمَّ صل وسلم على عبدك وحبيبك محمد بحرِ أنوارك، ومعدن أسرارك، وناشر ذكرك وشكرك، ودلّال محاسن سلطنة ربوبيتك». فيزكّونه عند ربهم، ويحببونه إلى مَن أرسله رحمة لهم، ويؤيدون شفاعته. وكذا ينادون بلسان عجزهم المطلق وفقرهم المطلق، غناءَه -سبحانه- المطلق، في استغنائه الأكمل. وينادون جودَه المطلق في عزته الأجلّ. وينادون بلسان عبوديتهم المطلقة ربوبيتَه المطلقة. وبهذا التعاون العُلوي المعنوي يترقى الإنسان من
Kitap Ekle