ومن هذا السر أيضا تصير الغلبةُ في الأكثر في الأوائل في الأولى لأهل الضلال، فيما يعود إلى الدنيا وإلى ظاهر هذه الحياة. إذ هم بجميع لطائفهم الساقطة إلى درجة نفوسهم، متوجهون قصدا وبالذات إلى الدنيا قائلون بأعمالهم: ﴿ اِنْ هِيَ اِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا ﴾ (الأنعام:٢٩) ولكن العاقبة للمتقين الذين قيل لهم ولسيدهم: ﴿ وَلَلْاٰخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْاُو۫لٰى ﴾ (الضحى:٤) ﴿ وَمَا الْحَيٰوةُ الدُّنْيَٓا اِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْاٰخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذ۪ينَ يَتَّقُونَ اَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ (الأنعام:٣٢) ﴿ وَاِنَّ الدَّارَ الْاٰخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ (العنكبوت:٦٤) فحسبنا الله ونعم الوكيل، فنعم المولى ونعم النصير .

اعلم أن عفوَه تعالى فضلٌ، وعذابَه عدلٌ؛ إذ كما أن من أكل سمًّا، فهو مستحق للمرض بحكم عادة الله المستمرة. فإن لم يمرض، فهو فضل وكرامة من الله بخرق العادة.

نعم، مناسبة المعصية للعذاب قويةٌ بدرجة من القوة، حتى ضلّت فيها المعتزلة فأسندوا الشرَّ إلى غيره تعالى، وأوجبوا الجزاء عليه. واستلزامُ الشر للعذاب -بسر النظام العام- لا ينافي كمال الرحمة ؛ إذ هذا الضرر الجزئي متصلٌ بأنبوب في سلسلةِ نظام محيط تدلت منه كالعناقيد خيراتٌ كثيرة. مع أن تركَ هذه الخيرات الكثيرة لمنع هذا الضرر الجزئي والشرِّ القليل ضررٌ كلي وشرٌ كثير، وهو ينافي حكمةَ عدالة العدل الحكيم الكريم.

أيها الإنسان الظلوم الجهول! اتّق الشرَّ ما استطعت. وإلّا استحققت جزاءَ تركك (21) مع جزاء تفويتك لنتيجةِ سائر الأسباب السابقة عليك، في سلسلة مبادي وجود النتيجة. إذ الشرُّ عدمٌ. وبعدم الجزء الآخر من العلة ينعدم المعلول. فيعود على الجزء الآخر كل ضررِ عدمِ المعلول. إلّا أن ثمرات الوجود لا تعود إليه إلا بمقدار حصته، إذ وجود الجزء ليس علةٌ لوجود الكل. فمن هنا يُرى كمال عفوه تعالى وكمال فضله؛ إذ يجزي بالشر مثلَه، وبالخير عشرةَ أمثاله. مع اقتضاء الاستحقاق الواقعي عكسَه. (22) وكذا يُرى ظلمُ البشر بحكمهم بعكس الواقع.

اعلم أن الإنسان مبتلىً بالنسيان، وأسوأ النسيان نسيانُ نفسه. إلّا أن نسيان النفس