قيمتها كما مرَّ سابقا. وردّوا جميع تجليات الأسماء فجنوا جناية غير متناهية فاستحقوا عقابا غير متناه.

أيها السعيد المسكين! أتحسب أن وظيفةَ حياتك حُسنُ محافظةِ النفس والتربية المدنية وخدمة البطن والهوسات؟.. أم تحسب أن غايةَ إدراج هذه الحواس والحسيات، والجوارح والجهازات، والأعضاء والآلات، واللطائف والمعنويات في ماكنة حياتك استعمالُها في هوَسات النفس الدنية في هذه الحياة الفانية؟ كلا! بل ما حكمةُ إدراجها في فطرتك إلّا إحساسُك جميعَ أنواع نِعَمه تعالى، وإذاقةُ معظم أقسام تجليات أسمائه.

فما غاياتُها إلّا أن تزن بتلك الموازين مدخراتِ خزائنِ رحمته، وأن تفتح بتلك الجهازات مخفيات كنوز جلوات أسمائه جل جلاله؛ بل ما غاياتُ حياتك إلّا إظهارك وتشهيرك بين إخوانك المخلوقات ما في حياتك من غرائب جلوات أسمائه.. ثم إعلانُك بحالك وقالك عند باب ربوبيته عبوديتَك.. ثم تبرُّجُك وتزيُّنك بمرصّعاتِ جواهرِ جلواتِ أسمائه للعرض والظهور لنظر شهود الشاهد الأزلي.. ثم فهمُك لتحية ذوي الحياة بالتسبيحات لواهب الحياة، ومشاهدتُك لها، وشهادتُك بها، وإشهادك عليها.. ثم فهمُك بمقياسيةِ جزئياتِ صفاتك وشؤونك لصفات خالقك وشؤونه المطلقة المقدسة.. ثم فهمُك الكلمات الموجودات الناطقات بتوحيده وربوبيته.. ثم تفطّنُك بأمثال عجزك وفقرك لدرجات تجليات قدرته وغناه.

وما ماهيةُ حياتك إلّا خزينةٌ وخريطةٌ وأنموذج وفذلكة ومقياس وميزان وفهرستة لغرائبِ آثارِ جلوات أسماء خالق الموت والحياة.. وما صورةُ حياتك إلّا كلمةٌ مكتوبة مسموعة مفهّمة لأسمائه الحسنى. وما حقيقتُها إلّا مِرْآتِيَّتُها لتجلي الأحدية. وما كمالها في سعادتها إلّا شعورُها بما تمثَّل فيها مع المحبة والشوق لما هي مرآةٌ له، وأما سائر ذوي الحياة فيشاركونك في بعض الغايات المذكورة لكن لا يساوونك، إذ أنت المرآةُ الجامعة كما رُوي: «ما يسعني أرض ولا سماء ويسعني قلب عبدي المؤمن». (100)