بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّح۪يمِ

﴿ يَٓا اَيُّهَا النَّاسُ اَنْتُمُ الْفُقَرَٓاءُ اِلَى اللّٰهِ ﴾ (فاطر:١٥) ﴿ فَفِرُّٓوا اِلَى اللّٰهِ ﴾ (الذاريات:٥٠).


اعلم أيها السعيد القاصر العاجز الفقير! أن في نفسك قصورا بلا نهاية، وعجزا بلا غاية، وفقرا بلا انتهاء، واحتياجا بلا حد، وآمالا بلا عدّ. فكما أُودع فيك الجوعُ والعطشُ لمعرفة لذة نعمته تعالى، كذلك رُكّبْتَ من القصور والفقر والعجز والاحتياج لتنظر بمرصادِ قصورك إلى سرادقات كماله سبحانه، وبمقياسِ فقرك إلى درجات غناه ورحمته، وبميزانِ عجزك إلى قدرته وكبريائه، ومن تنوع احتياجك إلى أنواع نِعَمه وإحسانه.

فغايةُ فطرتك هي العبودية. والعبودية أن تعلن عند باب رحمته: قصورَك ب «أستغفر الله» وب «سبحان الله» .. وفقرَك ب «حسبنا الله» وب «الحمد لله» وبالسؤال.. وعجزَك ب «لا حول ولا قوة إلّا بالله» و ب «الله أكبر» وبالاستمداد.. فتُظهرَ بمرآة عبوديتك جمالَ ربوبيته.

∗ ∗ ∗


بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّح۪يمِ

﴿ اِنَّ الْاَبْرَارَ لَف۪ي نَع۪يمٍ ❀ وَاِنَّ الْفُجَّارَ لَف۪ي جَح۪يمٍ ﴾ (الانفطار:١٣-١٤)


اعلم (72) أيها السعيد الغافل! أن لكل أحدٍ في سفر حياته طريقين إلى القبر، والطريقان متساويان في القصر والطول. لكن أحدهما -مع أنه لا ضرر فيه- فيه منفعةٌ عظيمة بشهادات أهل الشهود المتواترين وإجماعهم، يصل إلى تلك المنفعة العظيمة من عشرةِ سالكيه تسعةٌ.. والآخَر -فمع أنه لا نفعَ فيه بالاتفاق- فيه ضررٌ عظيم بإجماع أهل الخبرة والشهود. فاحتمالُ الضرر من العشرة تسعة، إلّا أن مَن يسلك في هذا لا يحمل سلاحا ولا زادا، فيخفّ في الظاهر، ويخلص من ثقل مَنٍّ، (73) لكن يحمل على ظهر قلبه مائة مَنٍّ مِن المِنّة، ويثقل على عاتق روحه أحمالَ الأهوال والمخاوف. ولأن التمثيل يريك المعقول محسوسا، نمثل لهذه الحقيقة مثالا: