بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّح۪يمِ

﴿ وَالتّ۪ينِ وَالزَّيْتُونِ ❀ وَطُورِ س۪ين۪ينَ ❀ وَهٰذَا الْبَلَدِ الْاَم۪ينِ ❀ لَقَدْ خَلَقْنَا الْاِنْسَانَ ف۪ٓي اَحْسَنِ تَقْو۪يمٍ ❀ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ اَسْفَلَ سَافِل۪ينَ ❀ اِلَّا الَّذ۪ينَ اٰمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ اَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ (سورة التين).

اعلم (71) أن إتقان الصنعة وكمالَها في كل شيء يدلّ على أن صانع الكلِّ كما أنه عند كلٍّ في كلِّ مكان ليس في مكان وليس عند شيء.. وأن الإنسان لاحتياجه إلى كل شيء من أصغرِ جزءِ جزئي إلى أكبرِ كلِّ كلّي، لا يليق أن يَعْبُد إلّا مَن «بيده ملكوتُ كل شيء، وعنده خزائنُ كل شيء».. وأن نفسَ الإنسان من جهة الوجود والإيجاد والخير والفعل في غاية الصغر والقصور والنقص، أدنى من النمل والنحل وأضعفُ من العنكبوت والبعوضة. ومن جهة العدم والتخريب والشر والانفعال، أعظمُ من السماوات والأرض والجبال. مثلا: إذا أحسن، أحسن بما تسعه ذاتُ يده وتصل إليه قوةُ ذاته. وإذا أساء، أساء بما يتعدى وينتشر.

فبسيئةِ الكفر يحقّر مجموعَ الكائنات والموجودات بتنزيل قيمتها من أوج كونها مكتوباتٍ ربّانيةً ومرايا إلهيةً إلى حضيض صيرورتها موادَّ متغيرةً سريعةَ الزوال والفراق، يلعب بها التصادفُ بالعبثية.. ويُسقط الإنسانَ الذي هو قصيدةٌ منظومة موزونة معلِنة لجلوات الأسماء القدسية، ونواةٌ لشجرة باقية، وخليفةٌ تفوَّقَ على أعاظم الموجودات بحمل الأمانة.. إلى دركةِ جعْلِهِ أذلَّ من أذلِّ حيوان زائل فانٍ، وأضعفَ وأعجزَ وأفقر.

وكذا إن الإنسانَ من جهةِ «أنا» له اختيارٌ كشعرة، واقتدار كذرة، وحياة كشعلة، وعمرٌ كدقيقة، وموجوديةٌ هي جزء جزئي مما لا يعد من أنواع لاتحد في طبقات الكائنات.. ولكن من جهة عجزه وفقره له وسعةٌ عظيمة إذ له عجز عظيم بلا نهاية، وفقر جسيم بلا غاية، يتيسر له أن يصير مرآة واسعة لتجليات القدير بلا نهاية والغنيِّ بلا غاية.

وكذا إن الإنسان من جهة الحياة الدنيوية المادية الحيوانية كنواة، تَصرِف الجهازاتِ المعطاةَ لها للتسنبل والتشجر في وسعة عالم الفضاء إلى جلبِ موادَّ واهيةٍ في مضيق التراب إلى أن تتفسخَ بلا فائدة.. فمن جهةِ الحياة المعنوية كشجرة باقية امتدت أغصانُ آمالها إلى الأبد.

وكذا إن الإنسان من جهة الفعل والسعي المادي حيوانٌ ضعيف عاجز، له دائرة ضيقةٌ