سلطنة الربوبية أن يكون لهذه المبارزة المعنوية والمعاملة المهمة علامةٌ وإشارةٌ في عالم الشهادة لإشهاد الإنسانِ الذي أهمُّ وظيفته المشاهدةُ والشهادةُ مع أنه لا يَرى فيما بين الحادثات السماوية أنسبَ من إعلان هذه المبارزة العلوية من رمي الشُهب المشابِهة للمنجنيقات المُرماةِ من بروج الحصون الرفيعة، مع أنه لا يرى لهذه الحادثة حكمةً تناسبها غيرَ هذه الحكمة المشهورة المشهودة لجميع أهل الحقيقة، خلافَ سائر الحادثات.

السادسة: أنَّ القرآن الحكيم المعجز يرشد البشرَ ويزجرُه من العصيان بأسلوب غال ومثَل عال.. فانظر إلى إنذارِ ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْاِنْسِ اِنِ اسْتَطَعْتُمْ اَنْ تَنْفُذُوا مِنْ اَقْطَارِ السَّمٰوَاتِ وَالْاَرْضِ فَانْفُذُواۜ لَا تَنْفُذُونَ اِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴾ (الرحمن:٣٣). الآيةُ في تعجيز الثَقلين، وإعلان عجزهما في جنبِ وُسعةِ سلطنة الربوبية، كأنّهُ يقول: أيها الإنسان الحقير الصغير العاجز! كيف تعصي سلطانا يطيعه الشموسُ والأقمارُ والنجوم والملائكة الذين يرجمون الشياطينَ ببنادقَ كأنها جبالٌ بل أعظم! وكيف تتجاسر على العصيان في مملكةِ سلطانٍ؛ مِن جنوده مَن يقتدر أن يرميَ في وجه الأعداء بنجومٍ في عظمة أرضكم كما ترمي جَوزَك وبندقتك.

السابعة: أنَّ النجم كالمَلك والسَمَك له أفراد في غاية الصغر وفي غاية الكبر. فكل ما يضيء في وجه السماء فهو نجم، فمن هذا النوع ما يُزَيّن به السماء كالجواهر والأثمار والأسماك، (31) ومنه ما يُرجم به الشياطين كالمنجنيقات المرماة للطرد، أو للإشارة إلى وجود الحارسين المتيقظين المطيعين المجتنبين عن اختلاط العاصين، أو للرمز إلى جريان قانون المبارزة في أوسع الدوائر.. ولله الحجة البالغة والحكمة القاطعة.

اعلم أن الآيات المصرِّحة بكتابة الأشياء قبل كونها وبعد كونها كثيرةٌ، كأمثالِ ﴿ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ اِلَّا ف۪ي كِتَابٍ مُب۪ينٍ ﴾ (الأنعام:٥٩). ويصدّقها منظوماتُ مكتوباتِ كتابِ الكائنات وموزوناتُ آياتها، لاسيّما آياتُ النظام والميزان والانتظام والتصوير والتزيين والامتياز.

أما قبل الكون، فالدليلُ جميعُ المبادي والبذور وجميعُ المقادير والصور، إذ ما البذور إلا صُنيدقات لطيفةٌ أُودعت فيها فهرستةُ ما رسمَه القَدر، فتبني القدرةُ وتستخدم الذرات على هندسته. وما المقادير إلّا مكتوباتٌ قدَرية منظومة، وقوالبُ علمية موزونة؛ إذ الذرات