...... (9)

اعلم أن الفردَ الإنسان جماعةٌ من المكلَّفين، ولكل فردٍ من حواسه -ظاهرا وباطنا- عبادةٌ تخصُّه، وضلالةٌ تفسِّقُه. فكما أن سجدةَ الرأس لغير الله ضلالة، كذلك سجدةُ خيال الشعراء بالحيرة المفرطة والمحبة الوالهة في مدح غير الله -لا بحساب الله- أيضا ضلالةٌ يَفْسُق بها الخيالُ. وقس على الخيال إخوانَه.

اعلم أن من أَعمّ أسباب ضلالة فكر البشر؛ ظَنَّ المألوفِ معلوما، مع أن الألفةَ تتضمّن الجهلَ المركب، فبحُكمِ الألفة لا يتأملون في العادّيات المستمرة مع أنها كلَّها خوارقُ معجزاتِ القدرة، وما يمُعنون النظر إلا في ما فوق العاديّات من نوع التجليات السيالة، كمَن لا ينظر من مجموع البحر -مع ما في بطنه من الحيوانات- إلّا إلى تموّجاته بالهواء وتلألئه بشعاعات الشمس، فيستدل بهذين الحالتين فقط على عظمة مالك البحر وصانعه جلّ جلاله.

اعلم أن أكثر معلومات البشر الأرضية ومسلّماته، بل بدهياته مبنية على الألفة، وهي مفروشة على الجهل المركب. ففي الأساس فسادٌ أي فساد. فلهذا السر توجِّه الآياتُ أنظارَ البشر إلى العاديات المألوفة، وتثقب نجومُ القرآن حجابَ الألفة، ويأخذ (10) بأُذُن البشر ويُميل رأسه، ويريه ما تحت الألفة من خوارق العادات في عين العاديات.

اعلم أن المناسبة حتى المكالمة لا تستلزم التساوي ولا التداني ولا التشابه؛ فقطرة المطر وزهرة الثمر لهما مناسبة ومعاملة مع الشمس. فيا أيها الإنسان! لا تحسبن أن حقارتَك تسترك عن نظر عناية خلاق الكون.

اعلم أن ما اشتهر من وقوع بسط الزّمان وطيّهِ لبعض الأولياء كما وقع للشعراني(∗) في مطالعته للفتوحات المكية، (11) في يوم واحد مرتين ونصفا، كما في آخر «اليواقيت والجواهر» لا ينبغي أن يُستغرَب فيُستَنكر؛ إذ فيما تراه له نظائر تقرّبه إلى الفهم؛ ألا ترى أنك ترى في الرؤيا كأن مرَّ عليك سنة (12) في ليلة بل في ساعة. ولو قرأتَ القرآن بَدَلَ ما جرى عليك، وما